حيدر حب الله
62
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
وإن كان فقيهاً ذكيّاً ، فلو جوّزنا النقل بالمعنى فربما حصل التفاوت العظيم ، مع أنّ الراوي يظنّ أنّه لا تفاوت . . لو جاز للراوي تبديل لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم بلفظ نفسه ، كان للراوي الثاني تبديل اللفظ الذي سمعه بلفظ نفسه ، بل هذا أولى ؛ لأنّ جواز تبديل لفظ الراوي أولى من جواز تبديل لفظ الشارع ، وكذا في الطبقة الثالثة والرابعة ، وذلك يُفضي إلى سقوط الكلام الأوّل ؛ لأنّ الإنسان وإن اجتهد في تطبيق الترجمة ، لكن لا ينفكّ عن تفاوت وإن قلّ ، فإذا توالت هذه التفاوتات إلى ما شاء الله كان التفاوت الأخير تفاوتاً فاحشاً ، بحيث لا يبقى بين الكلام الأخير وبين الأوّل نوع مناسبة » « 1 » . ومن الواضح أنّ المعيار في هذا الدليل يختلف عن سابقه ، فهناك يوجد حكم أوّلي وهو حرمة الكذب ، وهو قابل للتعميم على نقل الحديث النبوي وغيره ، فيما المعيار هنا هو حكم ثانوي خاصّ بالحديث الشريف ، وهو وجوب حفظ الأحاديث وعدم تعريض النصوص المقدّسة للزوال أو التحريف ، والمعيار الثانوي هذا لا فرق فيه بين أن يبيّن المتكلّم أنّه ينقل بالمعنى أو لا ينصب قرينة خاصّة على ذلك ؛ لأنّ الخطر آتٍ من نفس وقوع النقل بالمعنى ، لا من مفهوم الكذب وغيره ، حتى نفضّه بمثل هذه القرائن . وأعتقد أنّ البُعد الإشكاليّ الرئيس في مسألة نقل الحديث الشريف بالمعنى هو ظهور عنوان ثانوي خاصّ بمجال السنّة ، لا أنّ مطلق النقل فيما بين الناس يحرم أن يكون بالمعنى . هذا الدليل هو في تقديري ممتاز ، وأجد أنّه قويّ ويستحقّ أخذه بعين الاعتبار ، لأنّه يحمل نظرة واقعيّة للتجربة الإنسانيّة التاريخيّة ، وهو يدعو للانتصار لنظريّة المنع ، لكن توجد بعض الملاحظات التي تدفع لمقاربته من زوايا أكثر تعدّداً وتنوّعاً ، تفرض شيء من تضييقه ، أبرزها : أوّلًا : ما يمكن توظيفة على تقدير ثبوت بعض الأدلّة السابقة في التجويز ، وهو
--> ( 1 ) الرازي ، المحصول 4 : 470 .