حيدر حب الله
458
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
أخبار من بلغ تُعطي رجحان الترك ، وهي بذلك تحافظ على الأحكام المكروهة ، فمصبّ الإرادة شيء ومصبّ الاعتبار شيء آخر ، ولا ملازمة بين صيغة الحكم الظاهري الشكليّة وبين روحه ومحصّله النهائي في المحافظة على الحكم الواقعي خارجاً . وأمّا إذا كان الهدف من أخبار من بلغ ، إعطاء الاستحباب الثانوي ، فأيّ مانع أن يكون هدفها الإشارة إلى ظهور حكم ثانوي بعد البلوغ يتناسب وما هو مضمون البلوغ ؛ فإذا كان رجحانَ فعلٍ جاء حكمٌ استحبابيّ ، وإذا كان مبغوضيّة فعلٍ جاء حكم كراهتي ، فأخبار من بلغ تُعْلِمُنَا أنّ الحكم الثانوي يأتي على طبق ما أفادته الأخبار الضعيفة ، لا أنّ الحكم يُنشأ الآن بنفس أخبار من بلغ حتى لو لم يحصل بلوغٌ لأحد ، حتى يلزم أن تَجعَل نفسُ الرواية حكمين مما يكوّن مخالفةً لظاهرها . وبعبارةٍ أخرى : إنّ مفاد أخبار من بلغ هو ثبوت حكم ثانوي مترتب على البلوغ من سنخ المضمون نفسه الذي بلغ عليه الثواب ، وهذا كفيلٌ لوحده بإنتاج الاستحباب في موردٍ والكراهة في موردٍ آخر ، دون لزوم إنتاج تعبير دلالي واحد لمعنيين مختلفين ، فلاحظ . التنبيه الثالث : شمول القاعدة للخبر الثابت كذبه المقصود بهذا التنبيه أن نعلم وجداناً أو بدليل ظنّي معتبر ، كذبَ هذا الخبر الضعيف الذي شملته قاعدة التسامح ، فهل تظلّ القاعدة ساريةَ المفعول أو لا ؟ هنا توجد حالتان : الحالة الأولى : أن نقطع بكذب هذا الخبر قطعاً وجدانيّاً وعدم صدوره عن النبيّ بالتفصيل ، وهنا تارةً نبني على أنّ مفاد القاعدة حجيّة الخبر الضعيف ؛ وأخرى على إفادة الاستحباب الثانوي : أ - فإذا بُني على الأوّل ، لا معنى لجعل الحجيّة لهذا الخبر معلوم الكذب وجداناً ؛ لأنّه ليس فيه ملاك الطريقيّة بالنسبة للقاطع حتى يتمّم كشفه ، ولا هو بالحاكي عن الواقع أو يحتمل إصابته له عنده حتى يكون مورداً للاحتياط والتزاحم الحفظي ، فهو خبرٌ نعلم أنّه