حيدر حب الله
396
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
لأخبرنا المولى بذلك ، بلا حاجة إلى جعل الحجيّة تعبّداً . فهذا الإشكال الذي طرحه أمثال المحقق العراقي والسيّد الخوئي - ومال إليه السيّد الأستاذ الهاشمي - غير وارد ، إلا إذا قالت الرواية : ( وإن كان العبد علم أنّ رسول الله لم يقله ) ، وهو تعبير غير موجود في الرواية إطلاقاً ، لا الصحيحة ولا غيرها . من هنا ، لا حاجة إلى التطويل الذي دخل فيه السيّد الصدر ، وجعل القضيّة معركة رأي بين منهج مدرسة الميرزا النائيني وغيرها ، فإنّ النكتة ليست في مفهوم الحجيّة وأنّه تتميم الكشف ، بل في ملاك الحجيّة وأنّه الطريقيّة ، ولعلّه كان يريد ما قلناه ، فمرجع ما نقول إلى أنّ إعطاء الحجيّة لأمارة ليس مشروطاً بشرط مسبق يقوم على مطابقتها للواقع دائماً ، بل على شرط يقوم على غلبة مطابقتها للواقع بحيث يستطيع المولى من خلال إعطاء هذه الحجيّة أن يصل إلى جملة وافرة من أحكامه الواقعيّة ؛ فحتى لو علم المولى بأنّ بعض هذه الأمارات لن يطابق الواقع ، فإنّ ذلك لا ينفي جعل الحجيّة لها ؛ لمكان غلبة المطابقة ، وهذا هو السائد في باب الحجج الظنية . وأخبار من بلغ لا تريد إعطاء الحجيّة للأخبار التي كلّها لم يقلها رسول الله ، بل تعطي الحجيّة للخبر حتى لو صادف أنّ خبراً أو بعض الأخبار لم يقله رسول الله ، فالذيلُ لا يستوعب تمام الأخبار كما قد يتوّهم ، والشاهد أنّ مطلع الحديث وارد في الخبر المفرد ، لا الجمع المأخوذ على نحو الاجتماع والمجموعيّة ، فهو لم يقل : كلّ الأخبار الضعيفة حجّة ولو لم يقل رسول الله أيّ خبرٍ منها ، بل قال : إذا بلغك خبرٌ ضعيفٌ فهو حجّةٌ حتى لو كان رسول الله لم يقله ، وهذا ظاهر في أنّ عدم المطابقة جاء بوصفه أمراً افتراضيّاً على نحو الموجبة الجزئيةّ ، لا الموجبة الكلّية . وبالتأمّل فيما قلناه ، يظهر أنّه الفهم العرفي للروايات ، لا ما تبادر إلى أذهان بعض الأصوليّين . وكلامُ السيّد الصدر في حلّ المشكلة ولو عبر الاحتياط ، لا يقوم إلا على الفرضيّة التي افترضناها هنا .