حيدر حب الله

345

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

الوصول للمكلّف ، وهذا التمييز يحمل ذهنيّة أصوليّة ، ولا يحمل ذهنيّة نبويّة تبليغيّة ؛ بمعنى أنّ هذا التمييز نحن نطرحه في تعاملنا مع الأحكام من حيث وصولها أو عدمه ، أمّا بالنسبة للنبيّ فإنّ جميع الأحكام يلزمه بيانها للناس ؛ وإلا فلماذا لا نجيز له أن لا يبلّغ بعض الأحكام ؛ لأنّ عدم وصولها للناس أساساً نتيجة عدم تبليغه هو لهم إيّاها ، معناه أنّهم غير مكلّفين بها ؟ ! ولهذا يمكن أن نقول بأنّ النبي مكلّف ببيان الواجب وغير الواجب في الدين من المستحبّات والمكروهات ونحو ذلك . إنّ معرفة وظائف النبي مهمّة هنا ، ووظيفته التبليغ ، وهذه وظيفة مختلفة عن مفهوم التنجيز بالوصول وعدمه ، نعم أصل التمييز بين ما يراد على كلّ حال وغيره صحيح ، لكنّه ليس بنافع هنا . ب - إنّه لو وجب البيان المستفيض فيما تعمّ به البلوى لوجب في غيره ؛ لجواز أن لا يصل الحكم إلى من كُلّف به . وهذه مداخلة جيّدة ، وسيأتي تعميق الفكرة بما يوضح الأمر فيها . الانتقاد الخامس : ما استند إليه بعضهم ، من الاحتجاج بعمل الصحابة بأخبار الآحاد في القضايا عامّة البلوى ، كرجوعهم إلى خبر أمّ المؤمنين عائشة في موجب غسل الجنابة ، وخبر أبي موسى في الاستئذان ، وغيرهما من الروايات « 1 » ، ومع قيام سيرة الصحابة على ذلك يعلم بطلان فكرة الأحناف . ويناقش : إنّ هذه الوقائع عبارة عن أحداث جزئيّة لا يُحرز فيها حالة سائر الصحابة ؛ فلعلّهم قطعوا بالحكم ، وصدّقوا الراوي ، وهو عندهم من كبار الصحابة ، فليس هذا شاهداً هنا ، إنّما الشاهد أن نأتي بنصوص آحاديّة وصلت للصحابي هنا أو هناك ، وكان مضمونها عامّ البلوى ، وكان الصحابي غير قاطع بصدق الناقل له ، وأين يمكن إثبات

--> ( 1 ) انظر : الآمدي ، الإحكام 2 : 112 ؛ والرازي ، المحصول 4 : 441 ؛ والشنقيطي ، خبر الواحد وحجيّته : 325 - 327 .