حيدر حب الله
344
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
ترجع الأمّة لهما ، ويتكفّلان نشر هذا الأمر في قضيّةٍ أو قضايا تعمّ بها البلوى ، فإذا أردنا أن نناقش في هذا الأمر ، فعلينا تفنيد هذه الفرضيّة ، وإثبات أنّها فرضية لا تحظى بقيمة احتماليّة معتدّ بها ، بل هي ضئيلة بحسب منطق الأشياء ، فهل من المحتمل أن يقوم النبيّ في قضايا عامّة البلوى وتحتاج لبيان الدين فيها ، ببيان الفتوى فيها لشخصٍ أو شخصين ، على أن يعتمد على قيامهما بمهمّة التبليغ والنشر ، أو لا ؟ هذا الأمر يحتاج لمقاربة تاريخيّة في نوعيّة القضيّة ومديات احتمال أنّها تخضع لشيء من هذا القبيل ، لكنّ الجواب الأوّل للجصّاص محكم ؛ وذلك أنّ إيكال النبيّ هذه المهمّة لشخص أو شخصين ، معناه أنّهما سيقومان بهذه المهمّة في حياته بهدف تحقيقه مفهوم تبليغ الدين للناس ، وهذا ما يُنتج تلقائيّاً وصول الحكم عن هذين الشخصين عبر طرق متعدّدة ومستفيضة ، فإذا لم يَرد الحديثُ إلا من طريقٍ واحد عن صحابيّ واحد ، عادت فكرة الأحناف من جديد وأبدت لنفسها مصداقيّة ، ولو في دائرة الطرق المنتهية بصحابيٍّ أو اثنين . الانتقاد الرابع : ما ذكره الفخر الرازي ، من أنّ وجوب تبليغ النبي هذه الأحكام إلى الناس كافّة إنّما يثبت فيما لو كانت هذه الأحكام ممّا يتضمّن علماً أو أنّه يجب العمل بها على كلّ حال ، فأمّا إذا أوجبه بشرط أن يبلغه ، فليس فيه تكليف ما لا طريق إليه ، ولو وجب ذلك فيما تعمّ به البلوى لوجب في غيره ؛ لجواز أن لا يصل إلى من كُلّف به « 1 » . فمركز النقد هو أنّ بعض الأحكام تجب على المكلّفين لو وصلتهم لا مطلقاً ، وكأنّ مصالحها تحتفّ بذلك ، وإلا فكلّ الأحكام يجب على النبيّ إيصالها للناس جميعاً ، فأيّ فرق بين ما تعمّ به البلوى وغيره ؟ ! وهذه الإشكاليّة التي يطرحها الفخر الرازي ، ترجع إلى أمرين : أ - التمييز في نوعيّة الحكم بين ما يريده الشارع على كلّ حال ، وما يريده على تقدير
--> ( 1 ) الرازي ، المحصول 4 : 442 - 443 .