حيدر حب الله

343

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

صرفاً كما حقّقناه سابقاً حتى نتكلّم في وجود مصلحة وتعبّد بجعل الخبر منقولًا عبر الآحاد ؛ فإذا زال الوثوق بالخبر أو تلاشى الظنّ منه سقط عن الحجيّة ؛ لعدم شمول دليل الحجيّة له ، وليس هناك افتراض في بقاء دليل الحجيّة . ولعلّ الغزّالي قصد شيئاً آخر سيأتي نقله قريباً عن الجصّاص في الانتقاد اللاحق . الانتقاد الثالث : ما ذكره الجصّاص ، من أنّه من الجائز للنبيّ أن يخصّ أهل العلم والإتقان بإعلام ما عمّت به البلوى ، حتى يؤدّيه إلى الكافّة ، فكأنّ تصوير المشهد هنا قائمٌ على وجود مصلحة نبويّة في إدارة عمليّة التبليغ بهذه الطريقة ، وهي إعطاء بعض الأخبار المتصلة بالقضايا عامّة البلوى لبعض النخبة من الصحابة ، وتكليفهم بالقيام بعمليّة نقل هذه الأخبار للناس ، ممّا يعني أنّ النقل عن النبيّ لا يجب أن يكون مستفيضاً ، بل قد ينتهي برجلٍ أو رجلين . وقد أجاب الجصاص نفسه عن هذا الانتقاد بجوابين : الجواب الأوّل : إنّ هذا الأمر لا يغيّر من قناعة الأحناف شيئاً ؛ لأنّ النبيّ إذا أودع ذلك عامّة أهل الفقه والدراية من أصحابه ، فإنّما يودعهم إيّاه لينقلوه إلى الكافّة ، وإلى من بعدهم ، وتنقله الكافّة أيضاً عملًا ، فيتصل للنقلة ويستفيض . الجواب الثاني : إنّ النبيَّ لما كان مبعوثاً إلى الكافّة ، وقد علم أنّ حاجة العامي إلى معرفة الحكم كحاجة غيره ، فلابد من أن يكون منه توقيف الجماعة على الحكم ، ألا ترى أنّه لم يكن يختصّ بتعليم الصلاة والزكاة والصيام وغسل الجنابة الخاصّةَ دون الكافّة ، فكذلك سائر ما عمّت فيه البلوى ، ودعت الحاجة إليه ، فسبيله أن يكون نقله من طريق التواتر والاستفاضة « 1 » . إلا أنّني أعتقد بأنّ الجصاص لم يعالج في جوابه الثاني جوهرَ الإشكاليّة ؛ لأنّ المستشكل يحاول أن يفرض أنّ النبيَّ ربما يجد مصلحةً في تسريب الخبر إلى شخصٍ أو شخصين ؛ كي

--> ( 1 ) الجصاص ، الفصول في الأصول 3 : 116 - 117 .