حيدر حب الله
318
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
ثالثاً : إنّ مثل قصّة ماعز والمرأة الغامديّة ، لا تفيد التخفيف في الحدود ، بوصفه مبدأ فوقيّاً يحكم على سائر الأدلّة ؛ لا سيما وأنّ هاتين القصّتين جاءتا في صدر الإسلام ؛ والمسلمون حديثو عهدٍ بالدين ، فقد لا يكون مفهوم الزنا واضحاً عندهم ، ولذلك تشدّد الرسول في السؤال ؛ كي لا يقع اشتباه ، مضافاً إلى أنّه قد يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تأخير الحدّ عن المرأة الغامدية لمصلحة استثنائية هي مسألة وضع حملها وإرضاع مولودها ، فخوفاً من إلحاق جناية أو أذيّة بمخلوقٍ آخر ، أخّرَ الحدَّ عنها إلى ما بعد الاطمئنان عليه ، وهذا ما تفيده الرواية المنقولة ، حيث إنّ عقوبتها كانت الرجم . وكذلك الحال في مسألة التشدّد في إثبات مثل جريمة الزنا من خلال أربعة شهود يرون الدخول ، حيث حقّقنا في دراسة مستقلّة - وفاقاً للسيّد الخوئي ، وخلافاً للمشهور - أنّه لا تشترط المعاينة بهذه الطريقة ، بل اليقين الحسّي على بيان ذكرناه هناك « 1 » . وعليه فهذه الشواهد الصغيرة لا تصلح لتأسيس قاعدة أوسع من التفسيرين الأوّلين لقاعدة الدرء كما هو واضح ، بل لعلّ الكثير ممّن طرح هذه الأدلة لم يقصد غير هذا ، فراجع . ومن هذا ، يظهر أنّ التمسّك بأصالة عدم الجرم أو بأصالة البراءة عن إقامة الحدّ ، أو بحكم العقل بعدم إقامة الحدّ قبل اليقين ، وغير ذلك من التعابير « 2 » ، كلّه جيّد ولو بنحو المؤيّد ، لكن لخصوص التفسيرين الأوّلين للقاعدة على أبعد تقدير ، بينما نحن نبحث عن تفسيرٍ يقدر على فرض التخصيص أو التقييد في إطلاقات وعمومات أدلّة حجيّة الخبر ، بعد التسليم بوجودها ، فانتبه لهذا جيّداً . الدليل الخامس : ما دلّ على درء الحدّ عن المسلم قدر المستطاع وأشباه ذلك ، وما دلّ على عدم الرجم مع الظنّ بلا بيّنة ، وعدم الحدّ بلا بيّنة ، وهي :
--> ( 1 ) انظر : حيدر حبّ الله ، دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 1 : 257 - 301 . ( 2 ) انظر : مجمع الفائدة والبرهان 13 : 43 ، 46 ؛ والرباني ، قاعدة الدرء : 66 - 67 ، 70 - 71 .