حيدر حب الله
314
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
وعليه ، فأيّ دليل سوف يأتي لاحقاً ، إذا أثبت المعنى الأوّل والثاني لقاعدة الدرء فقط ، فهو لا يضرّ بقانون حجيّة خبر الواحد ؛ وأمّا إذا أثبت التفسيرَ الثالث لها خصّص دليلَ الحجية بغير مورد الحدود ، من هنا يجب النظر في مدرك القاعدة ومستندها ومدى اعتباره ، ومديات دلالته ومعطياته . 2 - 2 - مدرك قاعدة درء الحدود بالشبهات توجد عدّة أدلّة ذكرها العلماء المسلمون لهذه القاعدة - كما اختلفت الأقوال بين من اعتبرها نصيّةً ومن خرّجها على أساسٍ آخر - وسوف ندرس مدرك القاعدة ، وننظر في مَدَيات دلالته على التفاسير الأربعة المتقدّمة ، لنرى - وهو الأهم هنا بالنسبة إلينا - هل تستطيع هذه المستندات لقاعدة الدرء أن تثبت التفسير الثالث ، بحيث تكون لها القدرة على تخصيص أو تقييد إطلاقات أو عمومات أدلّة حجيّة خبر الواحد أو لا ؟ وأبرز الأدلّة ، هو الآتي : الدليل الأوّل : ما جاء في مجموعة نصوصٍ وردت عن بعض الصحابة ، على مستوى القول أو الفعل ، مثل ما ورد عن ابن مسعود أنّه قال : « ادرؤا الحدود بالشبهة » « 1 » ، وما روي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان من أنّهما عذرا جاريةً زنت وهي أعجميّة ، وادّعت أنّها لم تعلم التحريم ، وغيرها من الروايات « 2 » . إلا أنّ هذه الروايات بأجمعها - حتى لو تمّت سنداً - تدلّ على موقف بعض الصحابة واجتهادهم ، فلم تُنقل فيها رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نأخذ بها ، وإنّما هي أقوال الصحابة وآراؤهم ، وقد توصّلنا في مباحثنا في حجيّة السنّة « 3 » ، إلى أنّ سنّة الصحابي ومذهبه ليس حجّةً علينا ، ما لم يصل الأمر إلى حدّ سيرة متشرّعيّة كاشفة ، وهو ما لا
--> ( 1 ) المناوي ، فيض القدير 1 : 294 . ( 2 ) انظر : الوادعي ، أثر الشبهات في درء الحدود : 59 - 62 . ( 3 ) انظر : حيدر حبّ الله ، حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي : 349 - 368 .