حيدر حب الله

315

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

وجود له هنا . ويعزّز فرضيّة الاجتهاد هنا أنّ في بعض هذه الروايات خلافاً بين الصحابة أنفسهم ؛ ففي قصّة المرأة الأعجميّة كان رأيُ عليّ بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف هو إقامة الحدّ ، فيما كان رأي عثمان إسقاط الحدّ « 1 » . يُضاف إلى ذلك أنّ هذه الروايات حتى لو تمّت ، فهي لا تفيد أزيد من التفسيرين الأوّلين لقاعدة الدرء ، وقد قلنا سابقاً بأنّهما ثابتان حتى لو لم يقم دليل خاصّ عليهما . الدليل الثاني : التمسّك بأصالة الاحتياط ، إمّا المطلقة أو تلك التي في الأموال والدماء والفروج « 2 » . وقد أسلفنا الحديث عن هذه القاعدة ، والجواب عنها آنفاً ، فأمّا قاعدة الاحتياط المطلقة فقد ثبت في علم الأصول بطلانها ، وأنّ الصحيح هو أصالة البراءة ، لا أقلّ الشرعيّة منها الحاكمة على الاحتياط العقلي ، وأما الخاصّة بباب الفروج والدم ، فلا دليل على أصل من هذا النوع من كتاب أو سنّة إذا قامت الأدلّة المعتبرة في موردها ، نعم مقتضى أصالة الاحتياط في هذه الموارد هو ممارسة المزيد من التثبّت وإجراء القاضي لتحقيقٍ شامل ومستوعب في الأدلّة والشواهد والبيّنات والإقرارات والأيمان ، وعدم الاستعجال في إصدار الحكم ، وعدم اتّهام البريء حتى تثبت إدانته ، وأمثال هذه المفاهيم التي لا شكّ فيها شرعاً وعرفاً وعقلائيّاً وإنسانيّاً ، وهي تمثل التفسير الأوّل والثاني المتقدّمَين للقاعدة . نعم ، لو قام دليلٌ خاص على قاعدة الاحتياط في الدماء بغير هذا المعنى ، كان بإمكانه أن يعطّل الأصول العمليّة غير الاحتياطيّة ؛ لكونه أضيق دائرةً منها ، وربما لم يكن بإمكانه الوقوف أمام الأمارات ؛ لتقدّم الأمارة على ما روحه الأصول العمليّة على ما حقّق في

--> ( 1 ) انظر القصّة عند : الشافعي ، اختلاف الحديث : 507 ؛ والمسند : 168 ؛ ومسند ابن حنبل 2 : 291 ؛ والبيهقي ، السنن الكبرى 8 : 238 - 239 و . . ( 2 ) انظر : السبزواري ، مهذّب الأحكام 27 : 228 ؛ ومحمد حسن الربّاني ، قاعدة الدرء : 67 - 70 .