حيدر حب الله

313

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

للحاكم انكشافاً قطعيّاً ، فلو انكشف انكشافاً ظنّياً ، ولو بدليلٍ معتبر ، لم يكفِ . ونتيجة ذلك حصول نوع من المعارضة بين الأمارات والنصوص الواردة في القضاء وبين هذه القاعدة ، فالأمارات تقول مثلًا بأنّ الظهور العرفي في شهادة الشاهد كافٍ ، وأنّ الشاهدين كافيان ولو لم يفد كلامهما القطع بالصدق ، لكنّ مفاد هذه القاعدة درء الحد في مورد الظهور والشاهدين مع عدم القطع ؛ لأنّ فيهما اشتباهاً للواقع ، وشبهة في تحديده ، والحدود تدرأ بالشبهات . بل هكذا الحال أيضاً على صعيد الأصول العمليّة الجارية في باب القضاء ، فقد يدّعى أنّ ظاهر قاعدة الدرء هو تقدّمها على هذه الأصول ، أو لا أقلّ استقرار التعارض بينهما ، ذلك كلّه فيما لو أدّت الأمارات أو الأصول إلى إثبات العقوبة . وهذا التفسير للقاعدة هو معركة الرأي هنا ، فنحن لدينا أدلّة على الاكتفاء ببعض السبل الظنيّة التي يستخدمها القضاء الشرعي والوضعي ، وهي سبلٌ لا توضح الواقع دوماً ، ففي موردها اشتباهُ الواقع ، فهل تجري قاعدة الدرء لرفع الحدّ عن كلّ جناية مشكوكة حتى لو تمّت السبل القضائيّة الظاهريّة التي تُدين الجاني أو لا ؟ وهكذا خبر الواحد الذي يقدّم لنا أحكاماً شرعيّة في باب الحدود والقضاء عموماً ، فهل تلغيه قاعدة الدرء على أساس وجود شبهة في مورده ، حيث لا يُحرِز لنا الواقعَ بالتمام والكمال واليقين ، فتخصَّص أدلةُ حجيّة خبر الواحد بقاعدة الدرء أو لا ؟ التفسير الرابع : أن يكون المراد بقاعدة الدرء حصول الشبهة لدى القاضي والجاني ، إمّا على نحو المجموعيّة ، وهو أبعد تفسيرٍ للقاعدة ، أو على نحو الجميعيّة ، فيشمل هذا التفسير التفاسير الثلاثة المتقدّمة . من هنا يُعلم أنّ التفسيرين الأوّلين للقاعدة لا إشكال فيهما عند أحد ، وهما لا يتركان أيّ أثر على نظريّة حجيّة خبر الواحد ، بل هي الأسبق منهما رُتبةً ، إنّما المهم هو التفسير الثالث ، ومنه يظهر حال التفسير الرابع .