حيدر حب الله
30
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
بمراجعة هذا كلّه وغيره ، لا نجد شيئاً واضحاً في المنقول عن السابقين في هذا الإطار ، بل غايته احتياط من بعضهم في الرواية خشية الزيادة والنقيصة ، أو تعهّد شخصي منه بذلك ، أو منع لمن لا يُحسن ، وأنّ ابن عمر كان متميّزاً في دقّة النقل باللفظ تقريباً ، ولم يورد شيئاً واضحاً في وجود جماعة أو فئة معتدّ بها كانت تمنع النقل بالمعنى مع الأداء السليم ، فراجع . وبصرف النظر عن ذلك ، فجعل هذه النظريّة في عرض النظريّة الثانية الآتية بعيد ؛ لأنّ ظاهر من طرح هذه النظريّة هنا كان نظره لخصوص الحديث النبوي ، لا لمطلق النقل عن الآخرين ولو في غير مصادر الشريعة وطرق معرفتها كالنبيّ ، وبهذا يمكن جعل النظريّة الأولى والثانية هنا ترجعان لروح واحدة ونظريّة فاردة ، لكننا ميزناهما للتوضيح وجرياً على فصلهما في كلماتهم لا غير . لكن مع ذلك الأرجح الفصل لسببٍ واحد ، وهو أنّ بعض الأدلّة الآتية على المنع عن النقل بالمعنى ، واضحة في التعميم الأوسع من دائرة الحديث النبويّ ونحوه . وعلى أيّة حال ، فسوف يأتي الحديث عن أصل منع النقل بالمعنى ، ومنع نقل الحديث النبوي كذلك بالمعنى ، قريباً إن شاء الله . ب - نظريّة التمييز بين الحديث النبوي فيحرم ، وغيره فيجوز ( المنسوبة للإمام مالك ) النظريّة الثانية : نظريّة التمييز بين الحديث النبويّ وغيره ، ففي الأوّل لا يجوز النقل بالمعنى ، فيما يجوز ذلك في غيره ، كما نقل ذلك ابن الصلاح في علوم الحديث وغيره أيضاً « 1 » . ويظهر من الخطيب البغدادي أنّ هذا كان مسلك الإمام مالك بن أنس « 2 » . والذي يبدو من خلال أدلّة هذا القول ومصدره أنّ هذا الرأيَ سنّيٌّ ، ولم يقل به
--> ( 1 ) انظر : ابن الصلاح ، علوم الحديث : 214 ؛ والبغدادي ، الكفاية : 223 ؛ والشهيد الثاني ، البداية : 142 ؛ والرعاية : 262 ؛ ووصول الأخيار : 448 ؛ وجامع المقال : 43 . ( 2 ) انظر : البغدادي ، الكفاية : 223 .