حيدر حب الله

287

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

أما الباقي ، فلم يرفضه وإن توقّف فيه ، وهذا يكشف عن تحفّظ ؛ إذ مع قيام البرهان العقلي على بطلان شيء لماذا نتوقّف في ردّ رواية تدلّ عليه إذا كانت صحيحة السند إذا لم نكن نحمل موقفاً متحفّظاً ومحتاطاً لصالح الخبر الواحد ؟ إذاً ، هذا هو الطابع العام لنظريّة كاشف الغطاء . لكنّ مقاربته هذه - في الحالة الأولى من حالتي النوع الأوّل من القسم الثاني في الطائفة الثالثة - غير صحيحة ، فإنّ معنى قيام البرهان العقلي على الخلاف هو فقدان الخبر الصحيح قوّة الظنّ بالصدور ؛ إذ لا يمكن اجتماع العلم بالشيء مع الظنّ بعدمه ، أو العكس ، ومع فقدان الظنّ - بل وأحياناً حتى الاحتمال - بالصدور ، ما هو الوجه في عدم إسقاط حجيّة الخبر والإفتاء بمساواته للخبر الضعيف ؟ وما هو مبرّر التوقّف هنا ؟ ولماذا لا نرفضها بعد القول بعدم صدور الباطل من المعصوم المساوق هنا للجزم بعدم الصدور ؟ نعم ، قد يقصد كاشف الغطاء من التوقّف هو احتمال الصدور مع عدم كون المراد جديّاً لسببٍ أو لآخر ؛ كالصدور تقيّةً ، أو مع احتمال وجود تفسير آخر للحديث ، وهذا أمرٌ آخر يمكن القبول به لو تحقّقت شروطه الموضوعيّة . ثانياً : قد لا يبدو واضحاً تمييز كاشف الغطاء بين خواصّ النباتات ومسائل الطبّ وبين قضايا الفلك والعالم والتكوينيات ، فكما أنّ هذه أمورٌ تكوينيّة تلك كذلك . إلا أنّه من المحتمل أنّ كاشف الغطاء فهم الروايات الطبيّة والنباتيّة ونحوها فهماً عمليّاً ، أي لم ينظر إليها من زاوية إنبائها عن الخواصّ والآثار ، بقدر ما نظر إليها من زاوية إقدام المرء على استعمالها للاستشفاء أو التقوّي أو الوقاية أو المداواة أو غير ذلك ، وكأنّ الرواية التي تقول مثلًا : من خواص الهندباء هو الشفاء من داء القرحة ، إنّما تقول : إذا ابتُليت بداء القرحة فكُلْ الهندباء ، فترجع لرواية استحبابيّة مثلًا ، ولهذا أدرجها في القسم العملي ، ولم يُدرجها في التكوينيّات ، وكان فصله لها عن الفقه قائماً على عدم وجود بُعد