حيدر حب الله
231
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
وهذه الملاحظة التي سجّلها لاريجاني وغيره صحيحة بهذا التفسير للقضيّة ، ويبدو لي أنّ الشيخ معرفت يمكن أن يكون قد قصد أحد أمرين : أ - إنّه أراد أن يقيم التعبّد الشرعي على أمرٍ عقلاني ، فكأنّه قصد أنّ اعتبار وحجيّة خبر الثقة ليست مسألة مجرّد تعبّديّة لا تقف خلفها خصوصيّات تبريريّة عقلانيّة ، بل الذي حصل أنّ خبر الواحد أخذ قيمته الشرعيّة من كونه يحمل صفاتٍ ذاتية فيه تملك في نفسها اعتباراً وقيمةً عقلائيّة وعقلانيّة ، فقوّة الكشف في خبر الثقة هي التي حملت العقلاء على الرجوع إليه في أمورهم ، وما قام به الشارع ليس تأسيساً لأمرٍ جديد حتى نصفه بالتعبّد ، بل هو مجرّد موافقة على سلوك العقلاء المنطلق من خصوصيّة يحملها خبر الثقة ، وهي خصوصية الكشف عن الواقع ، وهي خصوصيّة ذاتيّة فيه . فكأنّ معرفت أراد الخروج من مفهوم التعبّدية المحض إلى مفهوم الاعتبار القائم على خصوصيّة حقيقيّة في الشيء المعتَبر ، بيد أنّه لم يكن موفّقاً في التعبير ، ولا في كيفيّة توظيف هذه الفكرة في الاستنتاج ، كما ظهر من مداخلة الشيخ لاريجاني . ب - إنّه أراد من الدلالة الذاتيّة أو الخصوصيّة الذاتيّة ، ما لا يحتاج إلى تعبّد بالمعنى الذي نعرفه في خبر الواحد الظنّي ، فكأنّ الشيخ معرفت لم يرَ خبر الواحد الثقة مفيداً للظنّ حتى يحتاج إلى حجيّة تعبديّة في فضاء تكاليف دينيّة ، وفي الوقت عينه يدرك تماماً أنّه لا يفيد القطع وإلا لم يكن هناك معنى للبحث في حجيّته وقيمته واعتباره ، لكنّه يفيد علماً عقلائيّاً ، ولعلّه هو الاطمئنان الذي يبحثه الأصوليّون ، فالشيخ معرفت يريد إخراج خبر الثقة من الظنون التي تحتاج لتعبّد ، إلى مرحلة أعلى يتحوّل فيها خبر الثقة إلى خبر له كاشفيّة ذاتية علميّة بالمفهوم العقلائي للكلمة ، وهذا ما أمضاه الشارع وتعامل معه بالقبول والترحاب ، فالممضى هو جانب الإراءة في الخبر عند العقلاء ، لا الجري العملي منهم على وفق الخبر . فالشيخ معرفت يريد إرجاع اعتماد العقلاء على خبر الثقة إلى خصوصيّة الكاشفية