حيدر حب الله
232
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
فيه ، وهي كاشفية تامّة عقلائيّاً ، رغم كونها لا تبلغ مستوى القطع الذي يحمل حجيّته الذاتية كما هو المعروف ، ولهذا نجد في عبارة الشيخ معرفت في مقدّمته على تفسيره الجامع الأثري ما نصّه : « والذي يبدو لنا أنّ حجيّة خبر الواحد ( الجامع لشرائط الاعتبار ) لم تكن مستندةً إلى دليل تعبّدي ( بأن تعبّدنا الشارع به ) ، وإنّما هي سيرة عقلائية مشى عليها عرفهم العام وجرى معهم الشارع الحكيم في مرافقة رشيدة ، فلا تعبّد هناك إطلاقاً كي يُلتمس ترتّب أثر عملي عليه أو يكون الشارع استهدف تكليفيّاً ، وإنّما هي مسايرة مع أعراف العقلاء في مناهجهم لتنظيم الحياة العامّة ، وكان إخبار الثقة الضابط هو أحد أسباب العلم عندهم ، فأمضاه الشارع وواكبهم في هذا المنهج الحكيم ، وما ورد من آيات وروايات بشأن اعتبار خبر الثقة الأمين إنّما هي شواهد على هذا الإمضاء والموافقة ، ففي الحقيقة إنّه إرشاد إلى ذلك الاعتبار العام ، وليس مجرّد تكليف بالتعبّد محضاً » « 1 » . فخبر الثقة ليس علماً في واقع الأمر بحيث يحمل الكاشفيّة التامّة القطعيّة ، لكنّه علمٌ عند العقلاء يفيدهم العلم بمفهومهم له ، ويتعاملون معه ويبنون عليه بوصفه علماً ، والشريعة أمضت ذلك ، وخلف هذا الاعتبار العقلائي توجد خصوصيّة ذاتية في الخبر هي التي منحته هذه المكانة عند العقلاء الذين لا يعرفون شيئاً اسمه التعبّد . فالذي يبدو لي أنّ معرفت أراد سلب صفة التعبّد المحض عن خبر الواحد ليجعل العودة إليه نحو عودةٍ إلى مرجعيّة معرفيّة عقلائيّة أمضاها الشارع ، وما دام مرجعيّةً معرفيّة للواقع ، فالإمضاء يوجب جعل حجيّة الخبر شاملةً للأمور غير العمليّة . وبهذا يتخلّص الشيخ معرفت من إشكالات الشيخ لاريجاني عدا مشكلة واحدة ، وهي واقعيّة اعتبار العقلاء أخبار الوسائط وواقع التراث الحديثي بما يحمله من مشاكل سنديّة ومضمونيّة خبراً مفيداً للعلم العقلائي ومن أسباب العلم عندهم ، فهذا أمر إن لم نجزم بعدمه فهو مشكوك جدّاً ، ويكفي التشكيك في كون العقلاء يعتبرون خبر الوسائط
--> ( 1 ) معرفت ، التفسير الأثري الجامع 1 : 128 .