حيدر حب الله
134
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
الراوي أبعد عن روح هذه اللغة وثقافتها وأدبها ، كان التدقيق في تعابيره عبثاً ولغواً من الفعل . ولعلّه يمكن هنا الاستئناس بمرفوعة محمد بن أحمد بن حماد المروزي المحمودي ، قال : قال الصادق عليه السلام : « اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يُحسنون من رواياتهم عنّا ، فإنّا لا نعدّ الفقيه منهم فقيهاً حتى يكون محدَّثاً » ، فقيل له : أو يكون المؤمن محدَّثاً ؟ قال : « يكون مُفْهَماً ( مفهّماً ) والمُفْهَم محدَّث » « 1 » ، فقيمة الراوي بمقدار فهمه لما يقول الإمام . وهذا كلّه من شأنه أن يُحدث ثورةً في عمليّة قراءة النصوص الحديثيّة التي لا شيء يؤكّد نقلها باللفظ ، من هنا نستقرب طريقة القدماء من العلماء المسلمين الذين كانوا يلامسون في تفسيرهم للأحاديث الروح المعنويّة للنصّ ، ولا يصرفون وقتهم في الدقائق الصغيرة التي جاءت فيما بعد ، وسمّي كثير منها بالعمق والمتانة والدقّة والغوص والغور ، وقد لعبت بعض هذه التدقيقات دوراً كبيراً جداً في تمزيق رؤيتنا للأدب العربي والنصوص ذات الطابع البلاغي في اللغة العربيّة ، وجلسنا نفكّك كلمات النبيّ وأهل البيت كأنّنا نفكّك إشارات ابن سينا أو نصوص ابن عربي أو كفاية الخراساني أو التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ، ومن قال بأنّ أهل البيت كانوا يتكلّمون كذلك مع الناس ؟ ! ومجرّد كمالهم لا يدلّ على لزوم استخدامهم هذه الطرق . تصوّر نفسك فيلسوفاً يسأله أحد العوام الجاهلين عن مسألةٍ فلسفيّة ، هل كنت ستجيبه بطريقة تعبير دقيقة ومشبوكة الألفاظ ، أو ستستخدم أسلوب المدّ والجزر والتشبيه والتمثيل والقصّة ، وهو أسلوب مرفوض في الكتب الفلسفيّة ، وهذا ما عنيناه من التمييز بين عمق الفكرة وتدقيق التعبير أو إغلاقه . ونتيجة ما نقول تظهر الثمرة في الآتي : 1 - إنّه حيث لا يتمّ التأكّد من لفظيّة النصّ المنقول ، فإنّ المقدار المتيقّن نسبته للنبيّ أو
--> ( 1 ) رجال الكشي 1 : 6 .