المحقق البحراني

56

الحدائق الناضرة

لا يقوم النهي دليلا على التحريم ، في حكم من الأحكام بالكلية . وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك : أن الوجه في الكراهة هو التمسك بالأصل . وضعف الأخبار المذكورة . فلا تنهض حجة في الخروج عن مقتضى الأصل . فتحمل على الكراهة ، تفاديا من طرحها . وفيه ما قد أوضحناه في غير موضع مما تقدم . وتحقيق الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور : " الأول " : الظاهر أنه لا خلاف بين أصحابنا - رضوان الله تعالى عليهم - في أن حد التلقي المنهي عنه أربعة فراسخ . قال في المنتهى : حد علماؤنا التلقي بأربعة فراسخ ، فكرهوا التلقي إلى ذلك الحد ، فإن زاد على ذلك كان تجارة وجلبا ، ولم يكن تلقيا . وهو ظاهر ، لأنه بمضيه ، ورجوعه يكون مسافرا ، ويجب عليه التقصير ، فيكون سفرا حقيقيا . إلى أن قال : ولا نعرف بين علمائنا خلافا فيه . انتهى . أقول : ويدل على التحديد بالأربعة كما ذكروه ما تقدم في رواية منهال القصاب وظاهره أن التلقي المنهي عنه ، هو ما يكون فيما دون مسافة الأربعة ، بمعنى أنه إذا بلغ الأربعة خرج عن محل النهي ، فيحمل اسم الإشارة في كلام ابن أبي عمير على الرجوع إلى ما دون الأربعة . وأظهر منه في هذا المعنى ما رواه في الفقيه مرسلا ، قال : وروي أن حد التلقي روحة ، فإذا صار إلى أربعة فراسخ فهو جلب . بمعنى أنه متى قطع الأربعة ووصل على رأسها فهو جلب ، لأنه حينئذ يصير سفرا برجوعه كما تقدم في كتاب الصلاة ، وبذلك يظهر ما في كلام الأصحاب من المسامحة ، كما في عبارة العلامة المتقدمة ، حيث إنه جعل كرامة التلقي إلى حد تمام الأربعة ، وخص التجارة والجلب بما زاد عن الأربعة ، وعلله أنه يكون حينئذ مسافرا . وأنت خبير بأنه يكون مسافرا بالحصول على رأس الأربعة ، وإن لم يزد عليها .