الشيخ علي المشكيني
39
التعليقة الإستدلالية على العروة الوثقى
والمراد بالنيّة في الجملة الثانية نيّةُ ما أقرّ به قلباً والاعتقاد به باطناً ، فإنّه لولاها كان منافقاً ؛ فالمعنى : لا يصحّ ولا ينفع الإقرار والعمل مالم يعتقد المقرّ على وِفْق إقراره . وأمّا الجملة الثالثة ، فالمراد بإصابة السنّة فيها الهداية إلى الولاية وقبولها ، والمعنى : لا ينفع الإقرار لساناً ، والعمل أركاناً ، والتصديق بأصول الدين جناناً إذا لم تقارن الاعتقاد بالولاية ، وهي سنّة اللَّه الثابتة الجارية في الأنبياء من تعيينهم الوصيّ والوليّ بعدهم . ففي صحيح زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام في حديثٍ : « أما لو أنّ رجلًا قامَ ليلَه ، وصامَ نهارَه ، وتَصَدَّقَ بجميع ماله ، وحَجَّ جميعَ دَهرِه ، ولم يَعرِف ولايةَ وليّ اللَّه فيواليه ، ويكونَ جميعُ أعماله بدلالته إليه ، ما كانَ له على اللَّهِ حقٌّ في ثوابه ، ولا كانَ من أهلِ الإيمانِ » « 1 » . [ الأصل في الأمر التعبّدية أو التوصّلية ] الأمر الخامس : قد عرفت معنى العبادة واشتراط قصد التقرّب في سقوط أمرها ، ومعنى التوصّليّ وعدم اشتراط ذلك فيه . وحينئذٍ نقول : إذا تعلّق أمر المولى بفعلٍ ، فإن علم كونه من أحد القسمين ، فلا كلام . وإن شكّ في ذلك ، ولم يحرز أحد الأمرين ، فهل مقتضى الأصل أو القاعدة الأوّل أو الثاني ؟ وبعبارةٍ أخرى : هل الأصل عند الشكّ التعبّديّة أو التوصّليّة ؟ وجهان . يمكن أن يستدلّ على الأوّل بوجوه : أوّلها : الأصل ، بتقريب أنّه لا إشكال في تعلّق الطلب بالفعل على الفرض ، واشتغال ذمّة المكلّف به كيف ما كان ، وحينئذٍ فإذا أتى المكلّف به بدون قصد التقرّب شَكَّ في فراغ ذمّته ؛ فتكون قاعدة الاشتغال محكَّمة . وفيه : أنّه لا تصل النوبة ابتداءً إلى الأصل ، بل اللازم ملاحظة دليل الحكم ؛ فإن كان مطلقاً لا تقييد فيه بالنسبة للقربة ، كفى الإتيان به مطلقاً ، وبرئت ذمّته ؛ لأنّ الإطلاق حجّة
--> ( 1 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 18 ، ضمن ح 5 ؛ وسائل الشيعة : ج 1 ، ص 119 ، ح 298 .