الشيخ علي المشكيني

396

الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)

ويحكم بهما حُكماً جازماً ، فيمدح فاعل الحسن ، ويذمّ فاعل القبيح ، أم لا تتّصف بهما عنده ؟ والنزاع في هذه المسألة وقع بين أصحابنا الإمامية رحمهم الله والمعتزلة وبين الأشاعرة ؛ فذهب الفريق الأوّل إلى الوجه الأوّل ، والفريق الثاني إلى الوجه الثاني . قال صاحب الكفاية في مقام إثبات مختار أصحابنا الإمامية ما ملخّصه : والحقُّ الذي عليه قاطبة أهل الحقّ هو الأوّل ؛ فإنّه كما يختلف الأحجار والأشجار وسائر الجمادات والنباتات في الخير والشرّ والنفع والضرّ تفاوتاً فاحشاً أكثر ممّا بين السماء والأرض ، فكذا أفعال الناس بالنسبة إلى حكم العقل ، فأين الضرب المورث للحزن والغمّ ، مِن الإحسان الموجب للفرح والسرور ؟ وكما أنّ المسموعات بعضها يلائم القوّة السامعة ، وبعضها ينافرها ، وكذا المبصَرات والمذوقات وغيرها ، فكذلك المدرَكات بالنسبة إلى القوّة العاقلة التي هي رئيس تلك القوى ؛ فإنّ لبعض الأفعال بحسب خصوصيّات وجوده نفعاً وضرّاً وخيراً وشرّاً موجبةً لاختلافها في الملاءمة للقوّة العاقلة والمنافرة ، ومع هذا لا يبقى مجال لإنكار الحسن والقبح عقلًا ؛ إذ لا نعني بهما إلّاكون الشيء في نفسه مُلائماً للعقل فيعجبه ، أو منافراً فيضربه ، فيوجبان ذلك صحّة مدح الفاعل وصحّة قدحه ، انتهى . « 1 » وأمّا الأشاعرة ، فوجه إنكارهم الحسن والقبح ؛ أمّا في أفعاله تعالى فلِبنائهم على أنّ كلّما فعله تعالى فهو صدر منه في محلّه ؛ لأنّه مالك الخلق كلّه ، فلو أثاب العاصي وعاقب المطيع ، لم يأت بقبيح ؛ لأنّه تصرّف في مملكته ومحلّ سلطنته ، « لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ » « 2 » وأمّا في أفعال العباد فلِبنائهم على عدم صدور الأفعال منهم بالاختيار ؛ بل بالجبر والاضطرار ، ولا شيء من أفعال المجبور متّصف بحسن ولا قبح . وكِلا البناءَين باطلان ؛ لأنّ قدرته تعالى لا يصيِّر الحسن العقلي قبيحاً ، ولا القبيح العقلي حسناً ، وأفعال العباد اختيارية على الغالب ، كما يشهد به الوجدان . « 3 »

--> ( 1 ) . انظر : كفاية الأصول ، ص 260 . ( 2 ) . الأنبياء ( 21 ) : 23 . ( 3 ) . انظر : الفوائد المدنية ، ص 331 و 452 ؛ فوائد الأصول ، ج 3 ، ص 57 .