الشيخ علي المشكيني

374

الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)

القريبَين من عهد الحضور لا المتأخّرين عنه ، سواء عمل بها ناقلها أم لم يعمل ؛ لوجود قصور فيها أو وجود رواية أرجح منها . وهذا القسم هو الذي جعلوه في باب التراجيح من المرجّحات ، وحملوا عليه قوله عليه السلام : « خُذ بِما اشتَهَرَ بَينَ أصْحابِكَ » ، « 1 » فإذا ورد خبران متعارضان ، وكان أحدهما أشهر روايةً من الآخر ، أوجبوا أخذه وطرح الآخر لمرجّحيّة الشهرة . الثاني : الشهرة العملية ، وهي اشتهار العمل برواية بين الأصحاب المذكورين ، وكثرة المستند إليها في مقام الفتوى ، ولو لم يتحمّلوا نقلها بشرائط التحمّل والنقل . وهي التي توجب جبر سند الرواية إذا كان ضعيفاً ، فإذا لم يكن في المسألة إلّارواية واحدة ضعيفة السند ، ولكنّ الأصحاب عملوا بها ، انجبر ضعفها ، وجاز الاستدلال بها ؛ كما أنّ المشهور لو أعرضوا عن رواية ، كان ذلك موهناً لها ولو كان السند صحيحاً سليماً ، ومِن هنا قيل : « كلّما ازداد الخبر صحّةً ، ازداد عند الإعراض عنه ضعفاً » . والنسبة بين الشهرتَين عموم من وجه ؛ فقد تكون الرواية مشهورةً من حيث الرواية غير مشهورة من حيث العمل ، وقد ينعكس الأمر ، وقد يتصادقان . وهذان القسمان من الشهرة من صفات الرواية وحالاتها . الثالث : « 2 » الشهرة الفتوائية ، وهي عبارة عن اشتهار الفتوى بحكمٍ في مسألة من المسائل ، مع عدم استناد المُفتين بها إلى رواية ؛ إمّا لعدم وجودها ، أو لإعراضهم عنها . وهذه هي التي يُبحث عن حجّيتها في باب حجّية الأمارات ، وهذه الشهرة من الصفات العارضة للحكم الشرعي دون الخبر والرواية .

--> ( 1 ) . والحديث : « عن زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ : سَأَلْتُ الْبَاقِرَ عليه السلام فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، يَأْتِي عَنْكُمُ الْخَبَرَانِ أَوِ الْحَدِيثَانِ الْمُتَعَارِضَانِ فَبِأَيِّهِمَا آخُذُ ؟ فَقَالَ : يَا زُرَارَةُ ، خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ ، وَدَعِ الشَّاذَّ النَّادِرَ . فَقُلْتُ : يَا سَيِّدِي ، إِنَّهُمَا مَعاً مَشْهُورَانِ مَرْوِيَّانِ مَأْثُورَانِ عَنْكُمْ ؟ فَقَالَ عليه السلام : خُذْ بِقَوْلِ أَعْدَلِهِمَا عِنْدَكَ وَأَوْثَقِهِمَا فِي نَفْسِكَ . فَقُلْتُ : إِنَّهُمَا مَعاً عَدْلَانِ مَرْضِيَّانِ مُوَثَّقَانِ ؟ فَقَالَ : انْظُرْ إِلَى مَا وَافَقَ مِنْهُمَا مَذْهَبَ الْعَامَّةِ فَاتْرُكْهُ وَخُذْ بِمَا خَالَفَهُمْ ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيمَا خَالَفَهُمْ . فَقُلْتُ : رُبَّمَا كَانَا مَعاً مُوَافِقَيْنِ لَهُمْ أَوِ مُخَالِفَيْنِ فَكَيْفَ أَصْنَعُ ؟ فَقَالَ : إِذَنْ فَخُذْ بِمَا فِيهِ الْحَائِطَةُ لِدِينِكَ ، وَاتْرُكْ مَا خَالَفَ الِاحْتِيَاطَ . فَقُلْتُ : إِنَّهُمَا مَعاً مُوَافِقَانِ لِلِاحْتِيَاطِ أَوْ مُخَالِفَانِ لَهُ فَكَيْفَ أَصْنَعُ ؟ فَقَالَ عليه السلام : إِذَنْ فَتَخَيَّرْ أَحَدَهُمَا فَتَأْخُذُ بِهِ وَتَدَعُ الْآخَر » . عوالي اللآلي ، ج 4 ، ص 133 ، ح 229 ؛ بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 245 ، ح 57 . ( 2 ) . فرائد الأصول ، ج 1 ، ص 231 و 587 ؛ كفاية الأصول ، ص 292 .