الشيخ علي المشكيني

350

الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)

ومنها : حكومة الأمارات على الاستصحاب على مبنى الشيخ قدس سره ؛ « 1 » وبيانه : أنّ مفاد دليل اعتبار الأمارة جعلها طريقاً إلى الواقع ، فهي علم مجعول لا يعتنى بخلافه ، فقوله : « صَدِّقِ العادل » يدلّ بالمطابقة على لزوم الجري على وفقه ، وبالملازمة على عدم الاعتناء باحتمال مخالفته للواقع وإلغاء ذلك الاحتمال ؛ وحيث إنّ ذلك الاحتمال هو موضوع حكم الأصل ، كانت الأمارة نافيةً لحكم الأصل عن موضوعه بلسان نفي موضوعه ، وهو معنى الحكومة . فإذا شككنا في حرمة العصير بعد الغليان ، فاحتمال الحلّية والحرمة في الواقع موضوع للحكم بالحلّية الظاهرية ، وهو حكم الأصل ، فإذا أخبر العادل بحرمته فاحتمال الحلّية الواقعية وإن كان باقياً أيضاً - إذ الفرض أنّ الخبر ظنّيٌّ لا يفيد العلم - ولكن مفاد دليل الاعتبار ينفي ذلك الاحتمال تعبّداً ، ويحكم بعدم الاعتناء وعدم ترتيب أثره عليه ، وهو الحلّية الظاهرية . ومنها : حكومة بعض الأصول العملية على بعض ، كالاستصحاب على البراءة ؛ وتقريبه : أنّ موضوع البراءة الشرعية هو الفعل الذي لم يرد فيه نهي بالفعل ، وحكمه هو الإطلاق والإباحة ؛ لقوله عليه السلام : « كُلُّ شَيءٍ لَكَ مُطلَقٌ حَتَّى يَرِدَ فِيهِ نَهيٌ » . « 2 » ، فالمعنى : كلّما لم يرد فيه نهي بالفعل فهو حلال . فإذا فرضنا مشكوكاً ثبت له نهي في السابق - كالعصير الذاهب ثلثاه بالشمس - فهو وإن كان مشكوكاً لم يرد فيه نهي بالفعل ، وحكمه الحلّية ، إلّا أنّ دليل الاستصحاب وقوله : « مَن كانَ عَلى يَقينٍ ، فَشَكَّ فِيهِ ، فَليَبنِ عَلى يَقِينهِ » « 3 » حاكم بلزوم إبقاء النهي السابق ، وفرض هذا الموضوع ممّا ورد فيه النهي تعبّداً ، فهو ناظر إلى دليل البراءة .

--> ( 1 ) . فرائد الأصول ، ج 3 ، ص 320 . ( 2 ) . والحديث : « كُلُّ شَيْءٍ مُطْلَقٌ حَتَّى يَرِدَ فِيهِ نَهْيٌ » . كتاب من لا يحضره الفقيه ، ج 1 ، ص 317 ، ح 937 ، عن الإمام‌الصادق عليه السلام ؛ بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 274 ، ح 20 . ( 3 ) . والحديث : « مَنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ فَأَصَابَهُ شَكٌّ ، فَلْيَمْضِ عَلَى يَقِينِهِ ؛ فَإِنَّ الْيَقِينَ لَايُدْفَعُ بِالشَّكِّ » . الإرشاد ، ج 1 ، ص 302 ، عن الإمام علي عليه السلام ؛ بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 272 ، ح 2 .