الشيخ علي المشكيني

351

الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)

وبعبارة أخرى : دليل البراءة مركّب من جملتَين مغيّاة وغاية ، والأولى : كلّما لم يرد فيه نهي فهو حلال ، والثانية : كلّما ورد فيه نهي فهو ليس بحلال . والعصير المذكور وإن كان داخلًا تحت الجملة الأولى دون الثانية وجداناً ، إلّاأنّ دليل الاستصحاب يخرجه عن موضوع الأولى ، ويدرجه في الثانية تعبّداً وتنزيلًا ، فهو حاكم على الجملة الأولى بنفي حكمها بلسان نفي الموضوع ، وعلى الجملة الثانية بإثبات حكمها بلسان إثبات الموضوع ، كما أنّه بالنسبة إلى دليل العنوان الأوّلي ، وهو قوله : « العصير إذا غلى يحرم » المجمل من جهة دوام الحرمة وعدمه ، متمّم لدلالته بحسب الظاهر . تنبيهات : الأوّل : قد ظهر ممّا قدّمنا أنّ الفرق بين الحكومة والتخصيص من وجوه : أوّلها : أنّ الحاكم ناظر وشارح بدلالته اللفظية للمحكوم ، بخلاف المخصّص ؛ فإنّه لا نظر له للعامّ ولا شرح له ولا تفسير . وبعبارة أخرى : قد صدر الحاكم لبيان حال المحكوم ، وساقه القائل مفسّراً لتحديد حكمه أو موضوعه ، وصدر المخصِّص لبيان حكم مستقلّ ، من دون نظر من القائل إلى كونه شارحاً لدليلٍ آخر ، أم لا ، فيكون العامّ والخاصّ في مورد التصادم متعارضَين من دون حكومة لأحد الطرفَين ؛ وحيث إنّ الخاصّ يكون أظهر من العامّ غالباً في مورد التعارض يقدّم عليه ، فلو فرض في مورد تساويهما ظهوراً فهُما يتساقطان ، ويرجع إلى الأصل ؛ أو فرض أظهريّة العامّ ، فإنّه يقدّم هو ، ويطرح الخاصّ سنداً . ثانيها : لحاظ الظهور والأظهريّة في العامّ والخاصّ كما مرّ ، ولا يلاحظان في الحاكم والمحكوم ؛ بل يقدَّم الحاكم الظاهر في أقلّ مرتبة من الظهور على المحكوم ولو كان أظهر . ثالثها : عدم لحاظ النسبة بين الحاكم والمحكوم ، ولذا قلنا بتقديم أدلّة العناوين الثانويّة كقوله : « لا ضرر ولا ضرار » على دليل وجوب الصوم الضرري ، مع أنّ بينهما عموماً من وجه ؛ فإنّ دليل « لا ضرر » يشمل غير الصوم كالوضوء والغسل الضرريَّين ،