الشيخ علي المشكيني

348

الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)

النظر بنحو التوسعة أم التضييق ، وسواء كان دلالة الناظر بنحو المطابقة أم الالتزام ، وسواء كان متقدّماً أم متأخّراً ، فيسمّى الدليل الناظر حاكماً والمنظور إليه محكوماً . فإذا ورد قوله : « أكرم العلماء » ، وورد قوله : « إنّ الفاسق ليس بعالم » ، كان الثاني ناظراً ومفسِّراً للأوّل وحاكماً عليه ؛ إذ من المعلوم أنّ نفيَ الشارع عالميّةَ الفاسق ليس على نحو الحقيقة ؛ بل يرجع ذلك إلى نفي وجوب الإكرام ، فهذا الدليل ناظر إلى ذلك ومفسّر له ، وهو معنى الحكومة . ثمّ إنّ للحكومة بهذا المعنى مصاديق كثيرة وأمثلة مختلفة ، لا بأس بالإشارة إلى بعضها لإيضاح معنى الحكومة : منها : أن يكون دليلًا نافياً لموضوع دليل آخر تعبّداً لا حقيقةً ، ووجداناً كالمثال السابق ، وكما إذا ورد : « لا شكّ للمأموم مع حفظ الإمام » ، فإذا شكّ المأموم بين الثلاث والأربع ، وكان الإمام حافظاً للثلاث ، متيقّناً لها ، فالدليل الثاني ينفي حكم الشكّ عن شكّ المأموم بلسان نفي الموضوع ، ويبيِّن أنّه ليس له البناءُ على الأكثر وإتيانُ صلاة الاحتياط ، فيكون حاكماً في قوله : « إذا شككت فابن على الأكثر » ؛ وأنّه لا يشمل شكّ المأموم مع حفظ الإمام ، وهذه حكومة بنحو تضييق دائرة الموضوع من المحكوم . ولعلّ إلى هذا القسم ينظر كلام الشيخ قدس سره في رسائله ، حيث قال : الحكومة هي الناظريّة بحيث لولا دليل المحكوم لكان دليل الحاكم لغواً . « 1 » ومنها : أن يكون دليلًا مثبِتاً لموضوع دليل آخر تعبّداً لا وجداناً ، فإذا ورد : « أكرم العلماء » ، وورد : « إنّ الملازم لخدمة العالم عالم » ، فالدليل الثاني يثبت موضوعاً للدليل الأوّل ؛ وحيث إنّ ذلك ليس بموضوع له وجداناً ، فيرجع تعميم الموضوع إلى تعميم الحكم وشموله لخادم العالم ، ومثله قوله عليه السلام : « الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاة » « 2 » بالنسبة إلى الأدلّة التي تثبت للصلاة أحكاماً خاصّةً ، وقوله : « كلّ مشكوك طاهر » بالنسبة إلى قوله عليه السلام :

--> ( 1 ) . فرائد الأصول ، ج 4 ، ص 13 . ( 2 ) . نهج الحقّ ، ص 472 ، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ؛ مستدرك الوسائل ، ج 9 ، ص 410 ، ح 11203 .