الشيخ علي المشكيني

20

دروس في الأخلاق

جسمانيّة الحدوث وروحانيّة البقاء ، بمعنى أنّها موجود لطيف تكوّنت من الجسم ، وهي باقية أبداً شبه المجرّدات ؛ فالآية الشريفة على هذا المعنى تبيّن معنى الروح والنفس الإنسانيّة ، وتشير إلى مبدء خلقها . وقال تعالى : « إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنهُ سَمِيعَام بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا » « 1 » . « النطفة » في اللغة : الماء ، أو القليل منه ، أو الصافي منه . والمراد هنا نطفةُ الرجل والمرأة . و « الأمشاج » جمع مَشج - بالفتح فالسكون ، أو بفتحتين - أي المختلط من شيئين أو أشياء ، فمقتضى كلمة الجمع تركّب النطفة من أشياء كثيرة . والابتلاء : نقلُ الشيء من حال إلى حالٍ ، أو بمعنى الامتحان والاختبار . والظاهر أنّ الآية الشريفة في مقام بيان كيفيّة خلق الإنسان ومبدئه ومنتهاه ، والمعنى : أنّ اللَّه خلق الإنسان من مادّةٍ ممتزجة من عناصر كثيرة جدّاً ، لكلٍّ منها اقتضاء وتأثير يدعو صاحبه للحركة نحوه ، ويقتضي جريه على وفقه ، فتتعارض وتتمانع العناصر في مقام اقتضائها وتجاذبها التكويني ، وحيث إنّه قد أودع اللَّه تعالى في وجوده قوّة عاقلة مائزة بين الخير والشرّ يكون جريُه على وفق أيّ مقتضٍ وداعٍ بإرادته واختياره ، فيحصل الابتلاء والامتحان . فقوله : « نَّبْتَلِيهِ » في مقام التعليل لتركيب الأجزاء المختلطة ، وأنّ المزج لغرض ذلك الابتلاء . وتفريع قوله : « فَجَعَلْنهُ سَمِيعَام بَصِيرًا » لبيان أنّ مجرّد وجود تلك القوّة وكونها مستعدّةً للعلم والإدراك غير كافٍ في تحقّق الابتلاء ، بل اللازم اهتدواؤها من الخارج نحو ما تحتاج إليه ويصلحها من العلوم والمعارف ، وحيث إنّ أوسع الطرق المجعولة لارتباطها مع الخارج السمع والبصر خصّمها بالذكر . وفي قوله : « إِنَّا هَدَيْنهُ السَّبِيلَ » - إلى آخره - بيان أنّ اللَّه قد هَداها إلى خيرها وشرّها بإرائة شواهد الوجود وآيات الآفاق والأنفس ، وإبلاغ دعوة الأنبياء ، وعَرْض الكتاب والشريعة . فقد تحصّل من الآية الشريفة أنّ هنا موجوداً مخلوقاً من موادّ مختلفة - ولعلّها هي السلالة من الطين - قد أودع اللَّه فيه صفات ومَلَكات ، ووَهَبه قوّةً بها يدرك نفسه ويعرف

--> ( 1 ) . الدهر ( 76 ) : 2 - 3 .