الشيخ علي المشكيني

21

دروس في الأخلاق

صفاته ومَلَكاته ، ويجري أينما جَرى بإرادته واختياره ، فهو إمّا شاكرٌ أو كفورٌ . وهذا الموجود هو الجوهر اللطيف الذي كنّا بصدد تعريفه وأخذه موضوعاً للعلم من حيث أوصافه وسجاياه . وقال تعالى : « وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّلهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَلهَا » « 1 » أي : اقسم بالنفس وبمن خلقها وصنعها وأفهمها عصيانها وطاعتها ، فالآية تشير إلى أنّ هنا موجوداً مسمّىً بالنفس صنعه اللَّه تعالى وأنشأه ، ومن شؤونه وأحواله أنّ الخالق أعلمها قبائح الأمور التي تُخرجها عن الاستقامة ، وألهمها طريق تحفّظها واتّقائها عن القبائح . وهذا الإلهام إمّا بإعطاء العقل المدرك للحُسن والقبح ، أو إرسال الرُّسُل والكُتب والشرائع ، أو بكلا الأمرين كما قال تعالى : « وَهَدَيْنهُ النَّجْدَيْنِ » أي الطريقين ؛ طريق الخير ، وطريق الشرّ ؛ فهداه إلى الطريقين بحجّتين . وقال تعالى : « وَمَآ أُبَرّئُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةُم بِالسُّوءِ » « 2 » . هذا نقل كلام عن امرأة العزيز بمصر ، أو عن يوسف النّبي عليه السلام ، وفيه توصيف النفس وتعريفها بأنّها كثيرة الأمر بالسوء ؛ وذلك لأجل اقتضاء طبعها ، ووجود غرائز مختلفة فيها ، فتدلّ الآية على أنّ هنا موجوداً متسلّطاً على الإنسان يأمره وينهاه . فالآمر هو النفس باعتبار اقتضاء غرائزها المودعة فيها ، والمأمور هو النفس أيضاً باعتبار جَريها على طبق اقتضاء غرائزها . وقال تعالى : « لَآأُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيمَةِ * وَلَآأُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ » « 3 » ؛ أقسم اللَّه تعالى بالنفس ، ووصفها بكثرة اللؤم . وللَّه تعالى أن يقسم بما أراد من خلقه ، وليس لعباده إلّاأن يقسموا بذاته وصفاته ، ولكنّ أقسامه تعالى بأيّ شيءٍ يكشف عن وجود قداسةٍ وخيرٍ في المقسَم به . فيمكن أن يراد بالنفس هنا : المتّقية التي تلوم نفسها أبداً على تقصيرها في طاعة ربّها وإن كانت عاملةً ناصبةً ، أو تلوم غيرها من الناس مخالفة اللَّه تعالى وعصيانهم ، أو يراد بها النفس المطمئنّة التي تلوم النفوس اللوّامة وغيرها وتهديها إلى كمالها اللائق بها - وعلى هذا فكلمة « لا » زائدة ، يؤتى بها غالباً فيما قبل القَسَم - ويمكن أن يراد بها النفس الخاطئة

--> ( 1 ) . الشمس ( 91 ) : 7 - 8 . ( 2 ) . يوسف ( 12 ) : 53 . ( 3 ) . القيامة ( 75 ) : 2 - 3 .