الشيخ علي المشكيني

353

رسائل قرآنى

وقوله فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهيمَ ، أي فاتّبعوا طريقة محمّد وملّته التي هي ملّة إبراهيم . ولعلّ إدراج ذكر إبراهيم وملته فيما بين هذا البحث للتنبيه على دفع اعتراض نقل عن اليهود ، وهو أنّهم بعدما ادّعوا ثبوت تحريم تلك الأمور في دين إبراهيم عليه السلام أيضاً ، وكان الكتاب الكريم ناطقاً في موارد من بياناته بأنّ هذا الدين هو دين إبراهيم عليه السلام وطريقته ، تيسّر لهم بزعمهم إلزام المسلمين بقبول حرمة تلك الأمور ؛ إذ هي من ملّة إبراهيم عليه السلام ، فأثبت القرآن عدم كونها محرّمة في الملل السابقة على بني إسرائيل ، وأنّها قد حرّمت عليهم بظلمهم وبغيهم ؛ فهذا الدين هو الملّة . وحيث إنّهم مذعنون بنبوّة إبراهيم ودينه ، فيلزمهم تصديق هذا الدين . تفسير الآية 28 من سورة النساء قال اللَّه تعالى : يُريدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ اْلإِنْسانُ ضَعيفاً . المراد بالتخفيف هنا التخفيف في الأحكام وتوابعها ولوازمها ، فيتصور فيه وجوه : الأوّل : التخفيف في نفس الأحكام في مرحلة جعلها الأولى وتشريعها الابتدائي ؛ فقد خفّف اللَّه على عباده ، فشرع أحكاماً سهلة يسيرة تناسب حال المكلّفين ، لا عسر فيها ولا حرج ، إلّافيما استثني منها في بعض الموارد ، كالجهاد ونحوه ؛ قال النبيّ : « بعثت بالشريعة السمحة السهلة » ، « 1 » وقال تعالى : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ « 2 » ، وقال : ما يُريدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ « 3 » ، وقوله : وَلا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . « 4 » ومصاديق هذا القسم موارد الدفع . الثاني : التخفيف بعد الجعل في موارد صادفت الأحكام المجعولة الحرج والعسر ، أو عارضت الأهمّ ، ونحو ذلك من موارد الرفع . وهذا في موارد الأحكام الثانوية الحاكمة على الأوّلية ، أو الواردة عليها .

--> ( 1 ) . الأمالي للطوسي ، ص 528 ، ح 1162 ؛ عوالي اللآلي ، ج 1 ، ص 381 ، ح 3 ؛ كنز العمّال ، ج 11 ، ص 445 ، ح 32095 . وفي المصادر : « بعثت بالحنفيّة السمحة » . ( 2 ) . الحجّ ( 22 ) : 78 . ( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 6 . ( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 185 .