الشيخ علي المشكيني
354
رسائل قرآنى
الثالث : التخفيف بالتوبة ونحوها عمّن خالف الأحكام الإلهيّة ، وعصى وتأثّم ، فاستحقّ العقوبة ، فخفف اللَّه عنهم بتشريع التوبة في حقّهم ، وغير التوبة من المكفّرات ، كتركٌ الكبائر المكفّر للسيّئات الصغائر ، وشمول الحوادث والنوائب والمصائب على الإنسان ، فتكون سبباً لتكفير المآثم ، كما قال تعالى : واللَّه يُريدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ . « 1 » الرابع : التخفيف في عالم الآخرة من البرزخ والقيامة وبعدها بتشريع الشفاعة ، وإذنه تعالى لعدّة من الأنبياء والمرسلين والملائكة والمؤمنين لأن يشفعوا المذنبين العاصين . وقوله تعالى : وَخُلِقَ اْلإِنْسانُ ضَعيفاً لابّد أن يراد به ضعف جسمه بالنسبة إلى بعض الحيوانات ، فإنّ جسمه لا يقابل في الأكل والشرب والوزن وسائر القوى البدنيّة بأكثر السباع والبهائم ، ولا يقاومها في القوى البهيميّة والسبعيّة ، لا قوّته العاقلة وإداركه وشعوره ، فإنّه في هذا المقام أقوى أبناء جنسها ، أو من أقواها . ويمكن أن يكون المراد ضعف الإنسان في مقابل عدوّه المبين ، شياطين الجنّ والإنس ، فإنّه عاجز عن مقاومتهم ، ولذلك قد أضلّ الشيطان منهم جبلًاّ كثيراً ، ولأجله قد ذرأ اللَّه لجهنّم كثير من الجنّ والإنس وإنَّ اْلإِنْسانَ لَفى خُسْرٍ * إلَّا الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ . « 2 » ومثل ذلك ضعفه في مقابل شهواته النفسانيّة وميوله الحيوانيّة ، فكم من رجل منهم وامرأة غلبته شهوته ، وصرعته أهواؤه ، وأهلكته امنيّاته وعابته نفسه ورذائل أخلاقه . ثمّ إنّه يمكن أن يكون المراد بالتخفيف في الآية جميع مصاديقه ، بل الصواب ذلك ، فإنّه ؛ لا إشكال في وقوع التخفيف بجميع مراحله في الشرع وتشريعه وجعله ، فحمل اللفظ على الجميع هو الأصوب ، كما أنّ حمل الضعف أيضاً على أقسامه المتصوّرة كذلك ، فأراد اللَّه تعالى جعل الأحكام وتشريعها لما في الإنسان من قوّة العقل والإدراك ، وقدرته ، واستطاعته من تلك الجهة ، وضعف غيره وعجزه من جهتها ، وأراد تخفيف الأحكام الأوّلية دفعاً ، ثم تخفيفها رفعاً ، ثمّ الصفح عند مخالفتها إذا تاب العبد ، ثمّ العفو في الآخرة بالشفاعة ؛
--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 27 . ( 2 ) . العصر ( 103 ) : 2 - 3 .