الشيخ علي المشكيني
348
رسائل قرآنى
تفسير الآية 81 من سورة آل عمران قال اللَّه تعالى : وَإذْ أخَذَ اللَّهُ ميثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ ءَ أقْرَرْتُمْ وَأخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إصْرى قالُوا أقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأنا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدينَ . بيان : الظاهر أنّ المأخوذ منهم الميثاق هم النبيّون ، وذلك كما في قوله تعالى : وَإذْ أخَذْنا ميثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ « 1 » ، فالمراد : أخذنا الميثاق من النبيّين . وأخذ الميثاق منهم بلحاظ امّتهم ، كقوله تعالى : يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ « 2 » ، فأخذ الميثاق منهم ومن أممهم جميعاً . وكلمة « ما جزائيّة » ، وكلمة « من » للتبعيض ، أي شيئاً من الكتاب والحكمة ، أو زائدة . والحكمة هو أحكام الدين من أصوله وأخلاقيّاته وفروعه ؛ إذ هي لغة بمعنى المنع ، فيقصد منها عند إطلاق : العلوم التي يمنع صاحبها من الانحراف . ومن الحكَمَة - بفتحتين - بمعنى اللجام . وكلمة لَتُؤْمِنُنَّ جواب ل « ما الجزائيّة » . وحاصل المراد : أنّ اللَّه أخذ الميثاق من كلّ نبيّ سابق وامّة سابقة على أنّه مهما آتاهم الكتاب والحكمة ثمّ جاءتهم بعد برهة من الزمان رسول آخر صاحب شرع وكتاب مصدّقاً لما معهم من الكتاب أن يؤمنوا به وينصروه كما آمنوا بالأوّل ونصروه . إن قلت : ظاهر الكلام كون أخذ الميثاق من الأمم بعد أن بعث رسولهم وجاء إليهم بالدين والكتاب والحكم ، وحينئذٍ فما معنى قوله لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ . . . فإنّ ظاهره أنّه سيقع إيتاء الكتاب والحكمة . قلت : الظاهر أنّ هذا قد ذكر توطئة لمجيء الرسول وتصديقه ؛ فالمراد أنّه كما تحقّق إتيان الكتاب والحكمة لملّة وجاء بعد رسول مصدّق لهما ، فاللازم إيمان الملّة لذلك الرسول ، وهذا لا ينافي كون الملزوم محقّقاً في الخارج عند المأخوذ منهم العهد والميثاق .
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 63 . ( 2 ) . الطلاق ( 65 ) : 1 .