الشيخ علي المشكيني
349
رسائل قرآنى
إن قلت : ما السرّ في التعبير عن المأخوذ منهم الميثاق بالنبيّين ، وعن الجائي بعدهم المصدّق لما معهم بالرسول . قلت : لا إشكال في أنّ أخذ الميثاق قد وقع من جميع الأنبياء ، اولي العزم منهم ، والرسل والنبيّ غير المتصف بذينك الوصفين ، إمّا بلا واسطة ، أو بواسطة النبيّ المتبوع ؛ إذ أخذ الميثاق منهم مع الأمم يستلزم الاستغراق . وأمّا الجائي بعد المواثيق فلا يكون إلا رسولًا ، بل من اولي العزم وصاحب الشرع والدين ؛ إذ هو الذي يلزم لجميع الناس حتّى النبيّ السابق الذي جاء بالكتاب أن يؤمنوا به وينصرفوا إليه وينصروه ، وإلّا فالنبيّ الجائي بعد صاحب دين وشرع التابع له في دينه وشرعه المؤمن بنبوّته - كلوط الذي آمن بإبراهيم مثلًا - لا يناسب أخذ الميثاق من إبراهيم أن يؤمن به ، مع أنّه قد يقال : إنّ بعض الأنبياء لم يؤمروا بالإبلاغ ، فلا يؤخذ الميثاق من الناس بالإيمان به . قوله تعالى : ءَ أقْرَرْتُمْ . . . ، أي قال اللَّه أو قال النبيّ الذي أخذ الميثاق أأقررتم على قبول هذا الميثاق وأخذتم على ذلك ، أي على الإيمان والنصرة إصري ، أي عهدي الأكيد الشديد ؛ فإنّ الإصر لغة العقد والحبس ، ويطلق على العهد ؛ لأنّه عقد معنوي ويحبس ناقضه عن الثواب والخيرات . قوله تعالى : فَاشْهَدُوا . . . ، أي كونوا متحمّلين للشهادة ، أو متهيّئين لأدائها . ثمّ إنّ نظيرة هذه الآية الآية السابعة من الأحزاب ، قال تعالى : وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ ميثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإبْراهيمَ وَمُوسى وَعيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأخَذْنا مِنْهُمْ ميثاقاً غَليظاً لكن لم يذكر فيها ما هو الميثاق ، ومتى أخذ منهم ذلك ؟ ولعلّه الميثاق المذكور في الآية المبحوث عنها ، أو الميثاق على التوحيد في قوله تعالى : وَأشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى . « 1 » ثمّ إنّ الظاهر من الآية المبحوث عنها أنّ اللَّه تعالى قد أخذ الميثاق من كلّ سابق أن يؤمن
--> ( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 172 .