الشيخ علي المشكيني
345
رسائل قرآنى
تفسير الآية 72 و 73 من سورة آل عمران قال اللَّه تعالى : وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذى انْزِلَ عَلَى الَّذينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلا تُؤْمِنُوا إلّالِمَنْ تَبِعَ دينَكُمْ قُلْ إنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما اوتيتُمْ أوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ . بيانٌ : معنى الآية الأولى واضحة ؛ فإنّ طائفة من أهل الكتاب - ولعلّهم اليهود - قالوا لعدّة أخرى من صنفهم ، وأمروهم بإظهار الإيمان أوّل النهار والكفر آخره ، رجاء أن يؤثّر ذلك في قلوب المسلمين ، فيرتدّوا عن دينهم ، ويعرضوا عن نبيّهم . والظاهر أنّ متعلّق الإيمان والكفر هو الكتاب والنبوّة وما جاء به النبيّ صلى الله عليه وآله ، لا أمر خاصّ ، كحكم القبلة ونحوها . وأمّا معنى الآية الثانية ففيه إبهام وإجمال ، ولأجل ذلك اختلفت آراء المفسّرين في ذلك ، وأحسن ما نتصوّره في توضيحها أن نقول : إنّ قوله تعالى : وَلا تُؤْمِنُوا إلّالِمَنْ تَبِعَ دينَكُمْ من تتمّة كلام الطائفة ، وقوله : قُلْ إنَّ الْهُدى إلى آخر الآية قول اللَّه تعالى ردّاً على الطائفة ، وتبياناً لضعف قولهم ، وإيضاحاً لعلّة صدور ذلك عنهم ؛ فإنّ أهل الكتاب لمّا تواطؤوا على اللجاج والمخاصمة وعلى الكيد والمكر في إرجاع المسلمين عن دينهم ، فكان من جملة مكيدتهم أنّ علماءهم ورؤساءهم أمروا الأتباع والعوام ، أو أمر بعضهم بعضاً على الإيمان أوّلًا والكفر بعد ذلك ، ثم نهوا عن الاعتراف والتصديق إلا لأتباعهم وأهل نحلتهم . ويظهر من بتاينهم على المكر والخديعة وتواطئهم عليه أنّه كان أمر النبوّة وحقّية القرآن الكريم ثابتاً عندهم ومعلوماً لديهم ، كما أخبر اللَّه بذلك في موارد كثيرة ، منها قوله تعالى : الَّذينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ . . . « 1 » ، وقوله تعالى : وَما تَفَرَّقَ الَّذينَ
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 146 ؛ الأنعام ( 6 ) : 20 .