الشيخ علي المشكيني
346
رسائل قرآنى
اوتُوا الْكِتابَ إلّامِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ « 1 » ؛ فنهى بعضهم بعضاً ، أو نهى علمائهم عن إفشاء هذا السرّ عند المسلمين ، وعن الاعتراف والتصديق بذلك ، فقالوا : وَلا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَنْ تَبِعَ دينَكُمْ . وكلمة « الإيمان » إذا عدّي باللام كانت بمعنى التصديق ، كقوله تعالى : يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنينَ « 2 » . والظاهر أنّ هذا التباني والتواطؤ كان بين عدّة من علمائهم ، أو من يشاركهم في العصبيّة والعناد ، لا عند الجميع ، وإلّا لكان ذلك سبباً لإسلام أكثر العوامّ ، كما هو المشاهد المجرّب . فتحصّل من جميع ذلك : أنّ الطائفة أمرت ونهت : أمرت بالإيمان ثمّ الكفر ، ونهت عن الاعتراف والتصديق ، فقال اللَّه تعالى جواباً عن قولهم : قُلْ إنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ . وكلمة « الهدى » هنا إمّا للجنس الشامل للمورد ، أو للعهد . والمراد أنّ إرسال النبيّ الأعظم والإمام الهادي وإنزال القرآن الكريم الذي هو أيضاً هدى للناس إنّما هي هداية من عند اللَّه ، وقد أراد اللَّه بهما إبلاغ دينه ونشره أحكامه من حين إرساله صلى الله عليه وآله إلى يوم القيامة لجميع الناس ؛ فهذه الهداية هداية اللَّه التي لا تردّ بما زعموه من الكيد والمكر ، ولا تبطل بما راموه من حيلة أوهن من بيت العنكبوت . ثمّ بيّن اللَّه تعالى سبب إقدامهم على الأمر والنهي المزبورين ، فقال : أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما اوتيتُمْ أوْ يُحاجُّوكُمْ . والمعنى : قل يا محمّد صلى الله عليه وآله لهم إنّكم أمرتم قومكم بالإيمان والكفر في أول النهار وآخره حسدَ أن يؤتى أحد كتاباً مثل كتابكم ونبيّاً مثل نبيّكم في الحقّية وكونهما من اللَّه تعالى ، وأنّكم نهيتم قومكم عن التصديق والاعتراف مخافة أن يحاجّكم المسلمون عند ربّكم باعترافكم وحسدكم عيب ورذيلة ، وخوفكم جهل وحماقة . فعلى ما ذكرنا يكون قوله تعالى أنْ يُؤْتى متعلّقاً بمقدّر ، أي فعلتم ذلك حسدَ أن يؤتى ، وفعلتم مخافة أن يحاجّوكم . وأمّا قوله تعالى : قُلْ إنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ فهذا لبيان أنّ النبوّة والكتاب والدين الإلهي السماوي فضلٌ ورحمةٌ من اللَّه ، وكلّ ما يصدق عليه أنّه فضل فهو بيد اللَّه تعالى وتحت
--> ( 1 ) . البيّنة ( 98 ) : 4 . ( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 61 .