الشيخ علي المشكيني

322

رسائل قرآنى

الراسخون قد علموا تأويله إمّا بتعليم اللَّه تعالى ، أو بالإرجاع إلى المحكمات . ويؤيّد الاحتمال الثاني ما عن مولانا أمير المؤمنين في نهج البلاغة قال : « واعلم أنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السُّدد المضروبة دون الغيوب الإقرارُ بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فمدح اللَّه تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً ، وسمّى تركُهم التعمّقَ فيما لم يكلِّفْهم البحثَ عن كنهه رسوخاً » . « 1 » فظاهر كلام المولى أنّ معاني المتشابهات غيوب محجوبة عن العقول ، مسدودة أبوابها ، مغلقة أرتاجها ، والراسخون معترفون بجهلها والعجز عن الوصول إليها ؛ فاعترافهم بالعجز ممدوح ، وتركهم التعمّق والبحث عن إدراكها رسوخ . ثمّ إنّه بعد وضوح التنافي بين الاحتمالين في الآية الشريفة فلا أوثق من أن يقال : إنّ اللازم ترجيح الاحتمال الأوّل ؛ لما ذكرنا من الأخبار المعتبرة ، ولأنّ العقل لا يرتضي بالإذعان بأنّ اللَّه تعالى أنزل القرآن على نبيّه ، وأورثه النبيّ في أهل بيته وامّته ، وجعله لكلّ شيء تبياناً ودليلًا وهادياً وفرقاناً ونوراً وصراطاً وميزاناً وحكماً ومحكماً وبياناً ، ثمّ أودع فيه آيات مجملات مبهمات لا يعلمها النبيّ صلى الله عليه وآله الذي أنزلت إليه وخوطب بها ، ولا أوصياؤه الوارثون لعلمه . وهذا أمر مستبعد جدّاً ، بل مقطوع البطلان ؛ فاللازم حمل الآية على المعنى الأوّل . وأمّا كلام النهج ، فيمكن أن يقال : إنّ الراسخين قسمان : الأوّل : النبيّ الأعظم والأئمّة المعصومون من أهل بيته ، وهم الراسخون حقيقة ، المعنيّون بالآية الشريفة ، لا يتطرّق إليهم الجهل في كتاب اللَّه تعالى وحقائقه ، محكمه ومتشابهه ، ظاهره وباطنه ، تفسيره وتأويله ، وجميع مرماه ومعناه ، فإنّهم المخاطبون أوّلًا وبالذات ، وإليهم نزل الكتاب ، وبهم توجّه الخطاب ، وفي بيتهم فسّرت آياته ، وبهم خصّت ، ولهم عمّت . والثاني : علماء الدين وفقهاء القرآن المعتصمون بحبل اللَّه ، والمتمسّكون بالثقلين الأكبر والأصغر ؛ فهؤلاء الطائفة لا إشكال في كونهم أيضاً راسخين في الجملة في الكتاب ، و

--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 91 ، الخطبة 90 .