الشيخ علي المشكيني

242

رسائل قرآنى

وأمّا لزوم التجرّي وكون الشفاعة سبباً لجرأة العاصين وأمنهم من عقاب اللَّه تعالى ، فالجواب عن ذلك : أوّلًا : بأنّ جعل الحدود والتعزيرات في الدنيا هو أحد الأُمور الرادعة عن وقوع المعاصي ، وردع العباد عن مخالفة أمر اللَّه ونهيه ؛ كيف واجراء القوانين الاجتماعيّة في الممالك والمجامع البشريّة الذين لا يعتقدون بالمبدء والمعاد ، أو يعتقدون بالعفو عنها ولو بفداء ليس إلّابواسطة الحدود والعقوبات الدنيويّة من الإقصاء والإسجان والضرب والقتل وغيرها . وثانياً : أنّه يستفاد من الآيات والأخبار أنّ اللَّه تعالى ربما يؤاخذ الإنسان بجرائمه في الدنيا بمصائب وعقوبات ، من الفقر والمرض وموت الأولاد وأنواع الأسقام والأوجاع والحوادث والكوارث ، فاحتمال وقوع هذه الأُمور من الروادع ولو علم العاصي بوقوع الشفاعة يوم القيامة . وثالثاً : على فرض التنزّل أنّه ليست الشفاعة إلّالمن ارتضاه اللَّه تعالى كما سبق ، أي ارتضى دينه ، وهو المؤمن الذي لا نقص في عقائده ، بل كان النقص في أعماله الفرعيّة ؛ فالإنسان الذي مات كافراً لا إشكال في عدم نيله الشفاعة ، ومع ارتكاب الشخص للمحرّمات يحتمل ويجوّز قريباً أن لا يموت مؤمناً ، فكان عاقبة الذين أساءوا السؤى أن كذّبوا بآيات اللَّه ؛ فمع هذا الاحتمال لا يستلزم وعد الشفاعة جرأة العاصين . ورابعاً : أنّه ليست الشفاعة إلّافي الآخرة وبعد قيام الساعة ، فالإنسان في عالم البرزخ رهين أعماله ، وفي وثاق أقواله وأفعاله ، ولا شفاعة فيه ولا وساطة ، وكذا في القيامة قبل وقت الشفاعة ، فلعلّها حصلت في حقّه في أواخر ساعات ذلك اليوم مع كون مدّته خمسين ألف سنة ، أو بعد دخوله النار وبقائه فيها برهة من الزمان ؛ فكيف يعتمد المذنب على الشفاعة مع هذه العقبات والمدّة الطويلة ؟ ! أعادنا اللَّه من أهوالها . وخامساً : أنّة على فرض التنزّل عن جميع ذلك ، فالإشكال وارد لو قلنا بعموم الشفاعة لكلّ أحد وبالنسبة إلى كلّ ذنب وخطيئة ، وذلك باطل قطعاً ؛ إذ يستلزم ذلك بطلان جميع