الشيخ علي المشكيني

241

رسائل قرآنى

وعن الكاظم عليه السلام : « حتّى أنّه صلى الله عليه وآله ليشفع من قد أحرق بالنار » . « 1 » البحث الخامس : فيما استشكل في الشفاعة عقلًا وهو أنّ الاستحقاق للعذاب مثلًا إن كان حقّاً ثابتاً قد أوعد اللَّه عليه النار ، فإسقاطه بالشفاعة غير صحيح ، بل غير عقلائيّ . أمّا الأوّل فللزوم الخلف على اللَّه تعالى والكذب في وعده ، وتعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً . وأما ثانياً فلاستلزامه التجرّي وجرأة العاصين على ارتكاب المعاصي بعد علمهم بالشفاعة ، وأنّ اللَّه يغفر ذنوبهم ، ولا يعاقبهم على جرائمهم . والجواب عن ذلك : أنّ الشفاعة الآخرة إمّا أن تقع لتحصيل الثواب ، والدخول في الجنّة ، أو ترفيع الدرجة فيها ، أو لما يشبه ذلك من المثوبات ، وإمّا أن تقع للعفو عن دخول النار ، أو للخروج عنها بعد الدخول . أمّا الأوّل : فلا محذور فيه من الجهتين المذكورتين ؛ فإن إعطاء الثواب أزيد ممّا يستحقّه الإنسان تفضّل من اللَّه ، وليس بخلف ولا كذب ؛ كما أنّ ذلك لا يستلزم التجرّي على العصيان . ولا قبح عقلًا في التفضّل من غير استحقاق ، فهل جميع ما منحه اللَّه على عباده من نعم الدنيا والآخرة إلّامن قبيل التفضّل والإحسان من دون استحقاق لذلك أوّلًا وبالذات ، وإن استحقّ العبد العامل بمقدار عمله بعد ما وعده اللَّه . وأمّا الثاني : - أعني الشفاعة المانعة عن دخول النار ، أو الموجبة للخروج عنها بعد ثبوت الاستحقاق - فلا محذور فيها من جهة لزوم الخلف ؛ فإنّ الثابت قبحه عند العقلاء إنّما هو مخالفة الوعد دون الوعيد ؛ فالعفو عن المذنب أمر عقليّ عقلائيّ تقتضيه صفة الرحمة والعطوفة والجود والكرم ، فاللَّه تعالى بعلمه وقدرته خلق الإنسان ، وبحكمته وتدبيره علّمه الحكم والبيان ، وبقوّته وقهره وجبّاريّته خلق النار وأوعدها على العصيان ، وبرحمته وجوده أذن في الشفاعة وأقدم على الغفران .

--> ( 1 ) . تفسير العيّاشي ، ج 2 ، ص 315 ، ح 151 ؛ بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 48 ، ح 52 .