الشيخ علي المشكيني

214

رسائل قرآنى

وتخبّط الشيطان للإنسان جعله مجنوناً أو مصروعاً بمسّه وتصرّفه في عقله وروحه . ووجه التشبيه كون عمله من الأكل والشرب والمعاملة والعبادة وغيرها غير عقلائي ، لا يلاحظ فيه طريق الاستقامة ، ولا رعاية صلاح وعاقبة ؛ بل تصدر بإرادة لم تنشأ عن تدبّر ولحاظ حكمة وصلاح ؛ فالمرابي مرتكب لما فيه هلاك نفسه بلحاظ تولّد القسوة في قلبه ، وزوال الرحمة والعطوفة عنه ، فيرى أبناء نوعه في شدّة الفقر ومكابدة الآلام ومقاساة الأحزان والأسقام ، فلا يرحم ولا يرأف ولا ينعطف إليه ، بل يطالب منه ما بنى على أخذه حقّاً أو غير حقّ بأقبح وجه وأقسى مواجهة ، وتسيرى هذه الرذيلة وما شابههما إلى أهله وولده ، فيرابون على هذه الكيفيّة أو أشدّ منها . ومن جراء هذا الأمر يتمركز الثروات المالية عند قوم معدودين ، وتنزوي عن آخرين ، فينحطّ عيشهم ، ويسقط عن مستوى عيش المجتمع ، ويضطرب بذلك نظم الاجتماع ، فتكون بالآخرة فتنه في الأرض وفساد كبير . فهذا النحو من العمل هو القيام الذي يشبه بقيام المختبّط المجنون الذي يأكل في غير مورده ، وينام في غير وقته ، ويصلّي بلا وضوء ، ويعامل بضرر وغبن ونحوها ؛ فالقيام هنا نظير قوله تعالى : لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ « 1 » ، وقوله تعالى : وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ « 2 » ، وقوله تعالى : قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا للَّهِ « 3 » . وقد يقال : إنّ المراد من القيام هنا المعنى المعروف المقابل للقعود ، وحملوا الآية على أنّ المرابي لا يقدر في يوم القيامة أن يقوم من مكانه لعظم بطنه وشدّة عقابه إلّاكالمتخبّط . وقد ورد عن مولانا الصادق عليه السلام أنّه قال : « قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : لمّا أسري بي إلى السماء رأيت قوماً يريد أحدهم أن يقوم ولا يقدر عليه من عظم بطنه ، قلت : من هؤلاء يا جبرئيل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون الربا » . « 4 » وعن عقاب الأعمال في حديث المناهي عن النبي صلى الله عليه وآله قال : « ومن أكل الربا ملأ اللَّه بطنه

--> ( 1 ) . الحديد ( 57 ) : 25 . ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 127 . ( 3 ) . سبأ ( 34 ) : 46 . ( 4 ) . تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 93 ؛ وسائل الشيعة ، ج 18 ، ص 122 ، ح 23285 .