الشيخ علي المشكيني

215

رسائل قرآنى

من نار جهنّم ما أكل » . « 1 » هذا ، ولكن كون آكل الربا كذلك فيما بعد الموت لا ينافي حمل الآية على ما ذكرنا من المعنى ، فإن نتيجة كون الإنسان بتلك الحالة في الدنيا هو تصوّره بتلك الصورة في عالم البرزخ أو القيامة ، وحديث المعراج يحتمل البرزخ والقيامة . ثمّ إنّه يظهر من قوله تعالى : يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ أنّ للشيطان تصرّفاً في عقل الإنسان وروحه ، فقد أقدره اللَّه تعالى على أن يجعل الإنسان مجنوناً أو مصروعاً أو ما يشبهه ، فيستشكل فيه بأنّه من المستحيل أن يسلّط اللَّه أعداء الإنسان عليه ليؤذيه ويعذّبه ويمرّضه لاسيّما عدوّاً قال تعالى في حقّه : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَاتَرَوْنَهُمْ ؛ فلا يصدر هذا منه العادل الحكيم . والجواب : أنّه قد يستحقّ الإنسان الابتلاء بمصيبة من مرض أو غيره إمّا لاقتضاء تقدير اللَّه التكويني ذلك ، أو لأجل المجازاة لعمله ؛ فما الفرق حينئذٍ بين تسلّيط بعض الموجودات الحيّة عليه كالذئب والأسد ، أو بعض الجراثيم المضرّة كميكروب السل والسرطان ، أو تسلّط الشيطان والجنّ ، فيجازى اللَّه المسلّط عليه بابتلائه . وأمّا الموجود المتسلّط فهو معذور إن لم يكن مكلّفاً ، ومؤاخذ مسؤول إن كان مكلّفاً . وقوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا يعني أنّ وقوعهم في هذه المفاسد نتيجة عدم قبولهم للحقّ وعنادهم وتعصّبهم ، فقاسوا ما فيه المفاسد بما فيه المصالح قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا . وليس هذا القول لجهلهم بالحكم ، بل قد قلنا : إنّ هذه الآية مسبوقة بنزول حكم الربا ؛ بل لعنادهم وتعصّبهم كما هو ظاهر الآية . وأمّا وجه تشبيههم البيع بالربا دون العكس ، فهو أنّهم لمّا دعوا إلى ما أحلّه اللَّه وما فيه صلاحهم ونهوا عمّا فيه الفساد ، قالوا : إنّ الذي تدعوننا إليه مثل الذي تنهونا عنه ؛ فتشبيه البيع بالربا لأجل إصرار المؤمنين على دعائهم إلى البيع أكثر من نهيهم عن الربا ، ومن ثَمّ أجابوا بذلك الجواب .

--> ( 1 ) . ثواب الأعمال ، ص 285 ، ضمن الحديث ؛ وسائل الشيعة ، ج 18 ، ص 122 ، ح 23284 .