الشيخ علي المشكيني

136

رسائل قرآنى

اهتدائه إلى الأصول على حفظ ما حصله ، ونيله إلى الدرجات العالية الإنسانيّة والخلافة الإلهيّة في جميع مراحل العقائد والأخلاق والأفعال . والظاهر أنّ السعادة ترادف الهداية بهذا المعنى ، فإنّها في أصلها وإن كانت بمعنى العون والنصرة كما يظهر من أهل اللغة والأدب ، إلّاأنّه قد كثر استعمالها في معاونة الألطاف الإلهيّة للإنسان على نيله الكمال اللائق به في دنياه وآخرته ؛ فالسعيد من عاونته ألطاف ربّه . وهذا هو الهداية بالمعنى الثالث ، ويقابلها الشقاوة ، فهو عدم شمول العناية الربّانيّة لحال العبد ، والشقيّ هو المحروم عنها . الرابع : الهداية الاخرويّة ، وهي دلالة المؤمنين المتّقين إلى طريق الجنّة ، والكافرين إلى صراط الجحيم . ثمّ إنّه قد علم ممّا ذكرنا أنّ الهداية بالمعنى الأوّل تختصّ باللَّه تعالى ، فهو الخالق للأحياء ، وهاديهم إلى مصالحهم في حياتهم ومفاسدهم في عيشهم . وأمّا بالمعنى الثاني فتعمّ غيره تعالى ، فإنّها تقع بالتسبيب من اللَّه ، وبالمباشرة من أنبيائه وأوليائه . وأمّا المعنى الثالث فهي أيضاً ممّا يغلب كونه من اللَّه ، وإن كان قد يقع من بعض عباده أيضاً ، كنصرة بعض العباد بعضهم في العمل بالأحكام ونحو ذلك . وعلم أيضاً ممّا ذكرنا أنّ هداية اللَّه التكوينيّة والتشريعيّة تعمّان جميع المكلّفين من الكافرين والمنافقين والمؤمنين ؛ إذ لولا الأولى لم يجز عقلًا إجراء التكليف عليهم ، ولولا الثانية لم يجز عقابهم ، كما قال تعالى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا . « 1 » وأمّا التوفيقيّة فلا تشمل من تولّى وأدبر ، وأعرض ثاني عطفه وأنكر . وعلم أيضاً أنّ اهتداء الإنسان بالهداية الأولى وقبوله لها واتّصافه بمقتضاها أمرٌ اضطراري لا اختيار للإنسان في ذلك كسائر أبناء جنسه ، كما أنّ اهتداءه بالهداية الثانية أمر اختياري له ؛ إذ هي عبارة عن إراءة الطريق له ، ودعوته إلى قبول الأصول والفروع ،

--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 15 .