الشيخ علي المشكيني
137
رسائل قرآنى
ولا إكراه في الدين بعد تبيّن الرشد من الغيّ . وكذلك اتّصافه بالاهتداء بالهداية الثالثة ؛ فإنّ موافقة الأسباب ومساعدة الربّ تعالى عبده على ما هداه إليه أمر يحصل من جانب اللَّه بالمباشرة ، ومن جانب العبد بالتسبيب . وعلم أيضاً أنّ اختلاف الآيات القرآنيّة في نسبة الهداية إليه تعالى تارة مع سلبها عن غيره ، ونسبتها إلى غيره أخرى ، إنّما هو بلحاظ اختلاف المعنى المقصود من الكلمة في الموارد ؛ فإذا قال تعالى : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ « 1 » أراد المعنى الأوّل أو الثالث ، وإذا قال : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ أراد المعنى الثاني وهكذا ، كما سيظهر في ذكر الآيات إن شاء اللَّه . الأمر الثاني : إنّه قد استعملت كلمة الهداية في الكتاب الكريم في كلّ واحد من المعاني المذكورة ، واستعملت في بعض الموارد في مطلقها الشامل للجميع ، واستعملت أيضاً في موارد أخر مجملة غير ظاهرة في معنى خاصّ قابلة لإرادة كلّ واحد من تلك المعاني . فمن موارد استعمالها في المعنى الأوّل : قوله تعالى : قَالَ فَمَن رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى « 2 » . والمراد بالشيء الماهيّات الممكنة لأن يلتبّس بلباس الوجود ، وخلقه عبارة عن إيجاده وإدخاله في عالم التكوين ، وهدايته إعطاء ما به قوامه وبقاؤه . فإعطاء الخلقة للإنسان مثلًا عبارة عن إيتاء جوارح وقوى خاصّة معيّنة ، وهدايته عبارة عن تعليمه الأفعال التي تلزمه لحفظ وجوده من أنواع الحركة والسكون ، ودلالته إلى ما تتعلّق به أفعاله من متاع الدنيا وما يعيش به في حياته . ونظير ذلك سائر أنواع الحيوان وأقسام النابت . وقال تعالى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى « 3 » . قوله : فَسَوَّى أيعدل ما خلق في تركيب الأعضاء والأجزاء وإيداع الخواصّ والقوى ، فجعل كلّ عضو من الإنسان مثلًا في محلّ مناسب له من حيث حسن التقويم
--> ( 1 ) . القصص ( 28 ) : 56 . ( 2 ) . طه ( 20 ) : 49 - 50 . ( 3 ) . الأعلى ( 87 ) : 2 - 3 .