الشيخ علي المشكيني

134

رسائل قرآنى

الموضوعة التي بها يتحقّق البيان ويتحصّل التفهيم والعرفان ، فهل هي موضوعة من قبل اللَّه أيضاً ، بأن كان جميع اللغات المتداولة بالفعل أو في الأزمنة السابقة أو بعضها مثلًا في جملة الأسماء التي علّمها اللَّه لآدم عليه السلام ، بل لم تكن تلك الأسماء إلّااللغات المختلفة ، فأوّل ما امتاز به الإنسان عن غيره وبه صار حقيقاً أن تخضعه الملائكة هي اللغات والأسماء التي بها يحكي عن الذوات والمعاني ، لظهور قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا وقوله : يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأسْمِائِهِمْ في ذلك ؟ أو هي موضوعة بوساطة الإنسان نفسه وهو الواضع لها ، فإنّه حيث أقدره اللَّه على إظهار ما في ضميره وإبراز مكنونه صار بصدد الفحص عمّا يكون وسيلة له ، فوضع على وفق حاجته لكلّ شيّ ممّا أراد تفهيمه لفظاً خاصّاً واستعمله فيه ، وكلما توسعت له الحاجة واقتضته ضرورة مجتمعة وسع فيما يحكي عن مراده من الألفاظ ، فحدثت اللغات ؟ وهذا القول أقرب إلى ملاحظة حال الإنسان في أدوار حياته الممتدّة ، وليس الغرض فعلًا تفصيل هذا الموضوع . ومنها : تعليمه ما لا يعلم ؛ قال تعالى : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ « 1 » . والتعليم إمّا بإعطاء العقل القابل للنيل إلى العلوم مع نصب الدلائل في شراشر عالم التكوين ، فالعقل مقتض لوصول الإنسان إلى كماله اللائق بحاله ، ونصب الدلائل شرط ومعد . ولا فرق في ذلك بين ما يجب أن يعلمه ويهتدي إليه من أمور دنياه ، وما يدركه من أمر دينه من التوحيد والمعاد وما بينهما ، كما قاله تعالى : قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى « 2 » ، وقال : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى . « 3 » وإمّا بإرسال الرسل إلى بني نوعه بالكتاب والحكمة والدين ، فيعلّمهم حقائق الكتاب ، ونواميس الدين ، وأصول الإيمان ، وفروع الحكمة . قال تعالى : فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ « 4 » .

--> ( 1 ) . العلق ( 96 ) : 4 - 5 . ( 2 ) . طه ( 20 ) : 50 . ( 3 ) . الأعلى ( 78 ) : 2 - 3 . ( 4 ) . آل عمران ( 3 ) : 184 .