الشيخ علي المشكيني

38

تفسير مبسوط

محلّ خاصّ لتصدّي أمر من الشؤون الدينية أو بذله المال الكذائي أو نحو ذلك ، وجب ذلك عليه وجوباً تكليفياً ؛ لمكان الولاية الشرعية الإلهية ؛ قال تعالى : « النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ » « 1 » ، وقال تعالى : « وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَامُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُه‌ُو أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ » « 2 » . فحينئذ نقول : إنّ الظاهر أنّ المراد بطاعة الرسول في هذه الجملة طاعته في أوامره ونواهيه المولوية ، وإلّاكان الكلام تكراراً ، فالآية الشريفة مسوقة لبيان أمرين : قبول دينه وكتابه وهي القوانين العادلة الإلهية ، واتّباع رسوله وهو الإمام العدل والدليل إلى اللَّه المصون عن الضلالة والجنف ، « 3 » وهذان الأمران لو توجّهت إليهما الجوامع الإنسانية وأخذت بهما أخذاً قلبياً وعملياً ، لصلحت وفاقت وتكاملت ورقت وسادت وحازت فضائل النفس وارتقت مدارج الكمال في شتّى نواحيها وفازت بالعيشة المرضية في الدنيا والسعادة الأبدية في الآخرة . ثمّ إنّ الخطاب في الآية لا يختصّ بمن كان حاضراً في زمان نزول الكتاب ، فهو متوجّه إلى العباد من تلك العصور إلى قيام يوم التناد ، « 4 » فلابدّ من أن يكون المراد بالرسول النبيّ الأعظم لا بوجوده الخاصّ وعنوان رسالته وبما أنّه علّة محدثة للدين ، بل بما أنّه معصوم منصوب من قبل اللَّه إماماً للجوامع وهادياً للأنام إلى الحقّ المبين وعلّة مبقية للبرنامج النازل من اللَّه تعالى ، فلا محالة يشمل الإمام العدل المنصوب من اللَّه خليفة له وحافظاً لدين اللَّه . ثمّ إنّه لم يذكر في الآية الشريفة الغرض الأقصى والثمرة المقصودة من طاعة اللَّه وطاعة رسوله ، ولعلّ العلّة تقدّم ذكر ذلك في الآية السابقة عليه .

--> ( 1 ) . الأحزاب ( 33 ) : 6 . . ( 2 ) . الأحزاب ( 33 ) : 36 . . ( 3 ) . الجَنَفُ : الجور والميل ، والمراد الميل عن الحقّ . راجع : النهاية ، ج 1 ، ص 307 ( جنف ) . . ( 4 ) . اقتباس من قوله تعالى : « وَيا قَوْمِ إنّى أخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ » [ غافر ( 40 ) : 32 ] ، والتناد : مصدر تنادَوْا ، أينادى بعضهم بعضاً ، حذف الياء للاجتزاء بالكسرة الدالّة عليها ، وهو يوم القيامة ينادي فيه بعضهم بعضاً للاستغاثة ، وقيل غير ذلك . راجع : مجمع البيان ، ج 8 ، ص 814 ؛ أنوار التنزيل ، ج 5 ، ص 57 ؛ لسان العرب ، ج 15 ، ص 315 ( ندي ) . .