الشيخ علي المشكيني
39
تفسير مبسوط
فإنّ هاتين الطاعتين اريدتا بقوله تعالى فيها « فَاتَّبِعُونِى » « 1 » ، أي في الأحكام الإرشادية والمولوية ، وقد علمت الثمرة المترتّبة عليه في تلك الآية ، « 2 » فالغرض من تكرار الطاعتين في هذه الآية بيان أمر آخر ، وهو ما يترتّب على ترك الطاعتين ، كما يعلم من قوله « فَإِنْ تَوَلَّوْا » . ثمّ إنّه قد صرّح عدّة من مفسّري العامّة أنّ المراد بطاعة اللَّه اتّباع الكتاب وبطاعة الرسول اتّباع السنّة . « 3 » وهو غير ظاهر ؛ إذ فيه - مع أنّ اتّباع الرسول بهذا المعنى يرجع إلى اتّباع الربّ تعالى - [ أنّه ] « 4 » خال عن بيان لزوم الإمام العدل ، وغير خاف على البصير أنّه لا يكفي الكتاب والسنّة - أعني القوانين العادلة - في إصلاح حال الجوامع مع عدم وجود قوّة مجرية لها وإمام عدل يقيما ويدبّر أمرها ، وهل وقع الفساد والاختلاف بين المسلمين وخسر العالم بانحطاطهم وخسرانهم إلّالعدم اعتقادهم بلزوم وجود الإمام وتركهم ما أوصى به النبيّ الأعظم من لزوم اتّباع الخليفة الإلهية في ما بينهم ؟ ! قوله تعالى : « فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ الْكفِرِينَ » ، أي إن أعرضوا عن طاعة اللَّه وطاعة الرسول كانوا كفّاراً واللَّه لا يحبّ الكافرين ، فالجزاء محذوف وقع موقعه أمر آخر . ومعنى عدم حبّ الكافرين عدم ترتيب آثاره في حقّهم من النعم الدنيوية والأخروية . فإن قلت : كيف تقول بأنّ اللَّه قد قطع آثار الحبّ عنهم مع أنّه قد بذل لهم ألوان النعم ممّا بذلها للمسلمين الخاضعين لجنابه ، بل وأكثر منه ، من نعمة الوجود وما به دوام العيش ونعمة العقل ، وقد عرض لهم الكتاب والدين كما عرضه لمن قبلها ، فلابدّ من القول بأنّ المراد عدم ترتّب آثاره في الآخرة ؟
--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 31 . . ( 2 ) . راجع الصفحة : 37 و 38 . . ( 3 ) . البحر المحيط ، ج 3 ، ص 686 ؛ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ، ج 2 ، ص 304 ، ذيل الآية 59 من النساء ( 4 ) ؛ تفسير المراغي ، ج 3 ، ص 141 ، ذيل الآية 32 من آل عمران ( 3 ) . . ( 4 ) . أضفناه لمقتضى السياق . .