الشيخ علي المشكيني
35
تفسير مبسوط
نهاه فآمن واتّقى ، فلا محالة يتحقّق حبّ اللَّه في حقّه على طبق وعده ، وأمّا غفران الذنوب فعلى الفرض لا ذنب له حتّى يقع مورداً للمغفرة ، مع أنّ الآية الشريفة تشمله أيضاً قطعاً . فيمكن أن يقال : إنّ المعنى : يغفر ذنوبه لو كان له ذنوب ، أو يقال : إنّ في الآية إشعاراً بأنّه لا يكون أحد خالياً عن الذنب كائناً من كان غير المعصوم الذي قد عصمه اللَّه تعالى بإمداد غيبيّ ورَوْح من عنده وعناية خاصّة منه تعالى . أو يقال : إنّ الآية تشعر بأنّ جميع الناس مذنبون مفتقرون إلى غفران اللَّه تعالى حتّى الأنبياء والأولياء ، إلّاأنّ الذنب له مراتب ودرجات ؛ فإنّ الذنب يقع تارة بمعنى مخالفة الأوامر والنواهي الإلزامية ، وأخرى بالمعنى الأعمّ منه ومن مخالفة الأوامر الندبية والنواهي الكراهية ، وثالثة بالمعنى الأعم منها ومن ترك ما هو أولى ، كاختيار المندوب المفضول عند التعارض مع الأفضل ونحو ذلك . ولا إشكال في عدم وقوع الذنب بالمعنى الأوّل من المعصوم ، وكذا الثاني على ما يترائى من ظواهر كلمات أصحابنا ، « 1 » وأمّا الثالث فالظاهر جواز صدوره منه ، وعليه يحمل ما صدر من الأنبياء عليهم السلام في بعض الأحيان من إطلاق الظلم بالنفس أو كلمة العصيان أو وقوعهم مورد اللوم والذمّ في كتاب الكريم ، وكذا ما أسندوه إلى أنفسهم من الذنوب والمعاصي وما استغفروا منه وبكوا عليه ؛ فإنّ الذنب أمر إضافي نسبي ، فكم من عمل لا يعدّ ذنباً إذا صدر من الجهلاء وبسطاء الناس ، ويعدّ ذنباً إذا صدر من علمائهم وكبارهم . قال تعالى في آدم عليه السلام : « وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُو فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبهُ رَبُّهُو فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى » « 2 » ؛ « قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا » « 3 » ؛
--> ( 1 ) . حيث أطلقوا الذنب والمعصية ، وهما مخالفة الأمر ، وهو شامل للواجب والندب . راجع : التبيان ، ج 2 ، ص 299 ، ذيل الآية 250 من سورة البقرة ( 2 ) ؛ كشف المراد ، ص 349 ؛ اللوامع الإلهية ، ص 243 . . ( 2 ) . طه ( 20 ) : 121 و 122 . . ( 3 ) . الأعراف ( 7 ) : 23 . .