الشيخ علي المشكيني
34
تفسير مبسوط
هو إلّاوحي يوحى ، « 1 » فسوق البيان بهذا التعبير - دون « فاتّبعوا اللَّه » - تعظيم للرسول صلى الله عليه وآله وإشارة إلى أنّ اتّباعه اتّباع اللَّه وأنّه من قبل اللَّه ، وأنّ وساطته بين اللَّه وخلقه لازم الإذعان . وأمّا حبّ اللَّه لعبده فحيث إنّه عبارة عن ترتيب آثاره كما عرفت ، فالمراد هنا ليس بذل نعمة العقل وإرسال الرسل والكتب والمعجزة وغيرها ممّا ذكرنا ؛ فإنّ ذلك كان قبل تحقّق حبّ العبد ، بل المراد به حينئذ توفيق اللَّه لعبده في تكميل نفسه وصعوده مدارج الكمال في مراحل عقائده وأوصافه النفسية وأعماله البدنية وعلومه وإدراكاته ، ثمّ إعطاؤه الجزاء الجميل والثواب الجزيل في دنياه وآخرته . فتحصّل أنّ حبّ العبد لربّه يقع بين حبّين من اللَّه : حبّ في مرتبة العلّة لحبّ العبد ، وحبّ في مرتبة المعلول له ، والحبّ الأوّل عامّ لجميع العباد من الإنس والجنّ والمؤمن والكافر ، والثاني خاصّ لمن اتّبع وآمن وعمل صالحاً ، فإذا أحبّ اللَّه عبداً عرّفه نفسه ، وإذا قبل العبد ولبّى دعوة ربّه واتّبعه ، أحبّه بالتوفيق وإعطاء الثواب ، وهذا كما يحصل للفرد يحصل للجامعة البشريّة ، إن اتّبعوا وعملوا صالحاً ، ونظير هذا التوبة الحاصلة للعبد من الذنوب وتوبة اللَّه تعالى عليه والقبول منه ؛ فإنّ توبة العبد أيضاً تقع بين توبتين من اللَّه تعالى ، فيعطف اللَّه على العاصي عطفاً ويوفّقه للتنبّه والتفكّر توفيقاً ، فيندم ويتوب ، ثمّ يقبل اللَّه رجوعه وتوبته ويعود إليه بالإحسان والإنعام ؛ قال تعالى : « ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » « 2 » ؛ « فَمَن تَابَ مِنم بَعْدِ ظُلْمِهِى وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ » « 3 » . والآيتان بعد الانضمام ظاهرتا الدلالة على أنّ توبة العبد تقع بين توبتي الربّ . وقوله « وَيَغْفِرْ لَكُمْ » قد يتحقّق اتّباع لنبيّ والعمل بما آتاه ممّن كان كافراً أو فاسقاً خارجاً عن الاتّباع والطاعة ، فترتّب حبّ اللَّه وغفران الذنوب عليه حينئذ واضح ، وأمّا لو فرضنا أنّ أحداً وفّقه اللَّه من أوّل تكليفه لاتّباع نبيّه والطاعة له في ما أمره و
--> ( 1 ) . اقتباس من الآيتين 3 و 4 من سورة النجم ( 53 ) . . ( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 118 . . ( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 39 . .