الشيخ علي المشكيني
32
تفسير مبسوط
وقوله : « وَاللَّهُ رَءُوفُم بِالْعِبَادِ » . رأفة اللَّه تعالى ورحمته من صفات فعله ، بمعنى ترتيب آثار الرحمة والرأفة ، وليست مثل ما يحصل لنا من حالة خاصّة في القلب توجب الانعطاف إلى المرؤوف المرحوم والحنان والبذل له والإحسان ؛ فإنّ هذه الصفات لا تعرض على الربّ تعالى . ثمّ إنّ إخباره تعالى برأفته للعباد - بعد ذكر أنّهم يرون في القيامة أعمالهم ، ويودّ المجرم بُعده عن عمله - بمنزلة ما يقوله الموالي للعبيد أو الآباء للأبناء : إن فعلت كذا ، عذّبتك بكذا . أقول : هذا رأفة بك ، فالمراد تحذيرهم أيضاً ، ك قوله : « وَيُحَذّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ » . ثمّ إنّ تمنّي المجرم بعده عن عمله في المقام كتمنّيه بُعده عن قرينه في قوله تعالى : « وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيّضْ لَهُو شَيْطنًا فَهُوَ لَهُو قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَآءَنَا قَالَ يلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ » « 1 » . والعشوة : التعامي وإن لم يكن ببصرة آفة ، وقيل : العشوة : آفة العين . « 2 »
--> ( 1 ) . الزخرف ( 43 ) : 36 - 38 . . ( 2 ) . قال به من قرأه بفتح الشين ، قال الزمخشري : « قرئ : « وَمَنْ يَعْشُ » بضمّ الشين وفتحها ، والفرق بينهما أنّه إذا حصلت الآفة في بصره قيل : عشي ، وإذا نظر نظر العَشِيّ ولا آفة به ، قيل : عشا . ونظيره : عَرِجَ لمن به الآفة ، وعَرَجَ مشى مشية العُرْجان من غير عرج » . وقال نحوه البيضاوي . راجع : الكشّاف ، ج 4 ، ص 250 و 251 ؛ أنوار التنزيل ، ج 5 ، ص 91 . .