شمس الدين محمد حافظ شيرازى (تعريب: ابراهيم امين الشواربي)

59

غزليات حافظ (أغاني شيراز)

تهدأ ولا تسكن . وكان فنانا ، فكان يرضى نفسه قبل كل شيء ، تهتف به فيلبيها ، وتناديه فيجيبها ، وتحدثه فيقبل عليها ، ثم يستمع إلى نبراتها الخافتة التي لا تكاد تبين ، ويتحسس سكناتها الصامتة التي تخفي في قراره المعين ، فإذا فرغ إلى نفسه مرة أخرى رددها في أسلوب مفصح مبين ، أو سجلها عليها كلمات معجزة تنحدر من عليين ، أو أعادها إلى نفسه ليؤكد لها ما جاشت به من قول مخلص أمين . اعترضه يوما « الشاه شجاع » حاكم شيراز وفاجأه بهذا القول : « إن غزلياتك لا تجري على منوال واحد ، ولا تصاغ على نمط واحد . بل كل واحدة منها تشتمل على بعض الأبيات في وصف الشراب ، وبعض الأبيات في التصوف ، والبعض الآخر في ذكر الأحبة ، وهذا التلون والتنوع ليسا من طريقة البلغاء » . فتبسم حافظ ابتسامة خفيفة تحت شفته ، جمعت كل معاني السخرية ، وعدم الاهتمام ثم قال : « إن ما تفضل بقوله مولاي هو عين الصدق والصواب ، ومع ذلك فشعرى قد طوّف بالآفاق ، بينما أشعار غيري لم تتعد هذه الأبواب ! ! » . آراء الشراح في شعر حافظ غير أن هذه القدرة الجامحة ، وهذا الاعتداد الزائد بالنفس ، وهذا الفن الرائع المندفع ، وهذا الأسلوب الرفيع المنقطع النظير ، كل هذه الأسباب وأمثالها جنت على حافظ أثناء حياته كما جنت عليه بعد مماته ، فأعجبت معانيه البعض فقالوا إنه شاعر يهيم في كل واد ، وأشكلت أو استغلقت على البعض ، فوصفوه بأنه « لسان الغيب وترجمان الأسرار » وانقسم شراحه بعد ذلك إلى رأيين يختلفان كل الاختلاف : 1 - فمن قائل أن أشعاره يجب أن تفسر على ظاهرها دون أن نلتمس لها من المعاني الأخرى ما لا تحتمله الألفاظ والعبارات . فأخذوا يفسرون حافظا بناء على هذا الرأي ، فإذا الخمر التي تغنى بها هي هذه الخمر الأرضية الفانية التي تملأ الكأس وتلعب بالرأس ، وإذا « معشوقه » من لحم ودم يمشي على قدمين ، وإذا حبّه حب عادي من الجائز أن يصيبني أو يصيبك أو يصيب غيرنا من الناس . . . . الربيع عنده ربيع الحياة الذي يتلوه صيف فخريف فشتاء ؛ والزهرات عنده هي الزهرات النامية في