شمس الدين محمد حافظ شيرازى (تعريب: ابراهيم امين الشواربي)

60

غزليات حافظ (أغاني شيراز)

روعة وبهاء ؛ وهذا الطير الصادح هو ما نسمعه وقت الصباح يشدو بالهديل والغناء ؛ وهذه الخميلة النضيرة هي الروضة الدانية التي تهدأ إليها إذا أصابك الملل والعناء . 2 - وذهب قوم آخرون إلى أن أشعاره يجب ألا تؤخذ على معانيها الظاهرة ، إذ أن هذه المعاني غطاء تستتر دونه معان أخرى أبعد منالا ، وأقوى حجة ، وأشرف غرضا ، وأروع مقصدا . . . وقالوا في ذلك أنه « صوفي » يسلك مسلك العارفين ، ويستعمل مصطلحاتهم وعباراتهم ، ولهذه الطائفة مصطلحات وعبارات خاصة بهم يتعذر على الإنسان بدون الاطلاع عليها ، فهم كلامهم وإدراك مرادهم ، « فحديثهم على ألسنة الطير ، ولا يدرك أسرارهم إلّا من كان شبيها بسليمان » « 1 » ووفقا لهذا الرأي أخذوا يفسرون « الخمر » بأنها خمر أزلية يديرها « الساقي » الذي يرشدك إلى « طريق » الهداية ، فيملأ لك « الكأس » من تعاليمه العالية التي تدفع عنك الضلالة والغواية ، كما تدفع عنك « خمار الليل » فتجعلك تفيق إلى « معشوق » جميل واللّه جميل ، وهو كنز مخفي ، و « صديق » وفيّ لطفه أزلي و « قد كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف » . وأما « الربيع » عندهم فربيع الأبرار ، وأما « الخميلة » فروضة الصلحاء والأخيار ، وأما هذا الطير الشادي فألسنة من يسبحون آناء الليل وأطراف النهار . ومثار هذا الجدل كان مصدرا لصعوبة دائمة اعترضت الناقلين والشارحين والمترجمين . ولعلها كانت أشد صعوبة اعترضتني عندما اعتزمت ترجمة « الغزليات » إلى اللغة العربية فقد سلكت النهجين وجربت الأمرين فوجدتهما جميعا يخرجان إلى ترجمتين ممتعتين لا ينقصهما شيء من الجمال والرواء . وإن كان إدراك الأولى يختلف عن إدراك الثانية ، فالواحدة لأهل الظاهر ، والثانية لأهل المعنى ، والواحدة لأهل الواقع ، والثانية لأهل الرمز . وتحيرت فترة أي النهجين أتبع وأيهما أسلك ، وأخيرا رأيت من الصواب أن أسلك مسلكا وسطا بين الرأيين ، على أن يكون أساس ترجمتي هذا المذهب الأول الواضح الذي لا خفاء فيه ، فإن سارت القافلة سرت معها ، وإن توقفت التمست لها من المذهب الثاني ما يحدوها إلى الإمام

--> ( 1 ) ص 37 « رياض العارفين » تأليف رضا قلى هدايت ، طبع طهران سنة 1316 هجري شمسي ؛ وأصل هذه العبارة بالفارسية كما يلي : « گفتگوى درويشان بر زبان مرغانست ، رازشان كسى داند كش بود سليمانى » .