ابن حبان

19

صحيح ابن حبان

قال : " ربما غلط الغلط الفاحش في تصرفه " ، ووافقه على غمزه الذهبي ، فقال " وصدق أبو عمرو " . وبرع أيضا في علم العربية ، حتى عرف أسرارها ، وحقيقتها ومجازها ، وتمثيلها واستعاراتها ، مما مكنه أن يستنبط الأحكام الشرعية من نصوص القرآن والسنة ، وكثيرا ما كان يمهد لاستنباطه بذكر القاعدة اللغوية المتعارف عليها عند العرب ، كقوله : " العرب تذكر الشئ في لغتها بعدد معلوم ولا تريد بذكرها ذلك العدد نفيا عما وراءه " وقوله : " العرب في لغتها تطلق اسم البداءة على النهاية ، واسم النهاية على البداءة " ، وغير ذلك مما نثره وبسطه في كتابه هذا ، مما يكشف عن مدى تعمقه في فهم العربية ، وسبره لغورها ، وإدراكه لمقاصد ألفاظها وأسرار تراكيبها . ونضج في علم الكلام حتى تأثرت به عقليته ، وتلون به فكره ، واصطبغ بتقسيماته وفصوله أسلوبه ، فتراه يذهب إلى تقسيم الشئ إلى كلي وجزئي ، وتفريق الشيئين المتضادين والمتهاترين - على حد تعبيره - ، إلى غير ذلك مما هو جلي في تعليقاته وتفسيراته واستنتاجاته في الكتاب ، وما طريقة ترتيب كتابه هذا حسب التقاسيم والأنواع إلا ثمرة من ثمار تأثره بعلم الكلام ، وقد ذكر ذلك السيوطي في " تدريب الراوي " 1 / 109 ، وما محنته التي سنعرض لها قريبا إلا نتيجة لاستيلاء مصطلحات هذا الفن على ألفاظه وعباراته ، مما يشير إلى أن نسيج فكره قد شد من خيوط هذا الفن ، ولم يكن علمه به مجرد إلمام واطلاع . وبالإضافة إلى هذا حصل علم الطب والفلك ، ويظهر أنه بلغ فيهما رتبة أمكن معها القول فيه : " كان عالما بالطب والنجوم " ( 1 ) .

--> ( 1 ) انظر مقدمة الأمير علاء الدين لهذا الكتاب ، " ومعجم البلدان " ( بست ) ، و " سير أعلام النبلاء " 16 / 94 .