ابن حزم
839
الاحكام
فإن قال : لم يكن قبله أحد أفضل منه ، كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : إننا لا ندرك بإنفاقنا مثل أحد ذهبا مد أحد من أصحابه ولا نصيفه ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : إنه ما من عام إلا والذي بعده دونه وقائل هذا مخالف للاجماع ، وخارج عن سبيل المؤمنين . ولا شك عند كل مؤمن أن أبا بكر وعائشة وعليا وعمر ومعاذا وأبيا وزيدا وابن مسعود وابن عباس - أعلم بما شاهدوا من نزول القرآن وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفضل من سفيان الثوري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي وابن القاسم وداود ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وأبي ثور . وهؤلاء الفقهاء رحمهم الله هم الذين قلدتهم الطوائف بعدهم ما نعلم الآن على ظهر الأرض أحدا يقلد غيرهم ، لا سيما وقد حدثنا أحمد بن عمر العذري ، ثنا علي بن الحسن بن فهر ، ثنا القاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد الذهلي ، ثنا جعفر بن محمد الفريابي ، حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثني الهيثم بن جميل ، قلت لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله ، إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم : حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا ، وحدثنا فلان عن إبراهيم بكذا ، ونأخذ بقول إبراهيم . قال مالك : صح عندهم قول عمر ؟ قلت : إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم . فقال مالك : هؤلاء يستتابون . قال أبو محمد : فإن قال : بلى ، قد كان من ذكرتم وغيرهم مما كان بعد من ذكرتم ، ومع هؤلاء المذكورين ، وقبلهم أفضل منهم وأعلم بالدين . قيل له : فلم تركت الأفضل والأعلم ، وقلدت الأنقص فضلا وعلما ؟ . فإن قال : لأنه أتى بعض الأولين متعقبا ، قيل له : فقلد من أتى بعدهم أيضا متعقبا على هؤلاء . فإن كان مالكيا ، أو شافعيا ، أو حنفيا ، أو سفيانيا ، أو أوزاعيا قيل له : فقلد أحمد بن حنبل ، فإنه أتى هؤلاء ورأى علمهم وعلم غيرهم ، وتعقب على جميعهم ولا خلاف بين أحد من علماء أهل السنة ، أصحاب الحديث منهم وأصحاب الرأي ، في سعة علمه وتبجحه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وفتاوى الصحابة