ابن حزم

753

الاحكام

ولا توقن بأنه حلال ولا بأنه حرام ، ويلزمك أن تحرم معاملة من في ماله حرام وحلال ، وهم لا يقولون بشئ من ذلك ، وهذا نقض لأصولهم في الحكم بالاحتياط ، ورفع الذريعة والتهمة ، وقد تناقضوا في هذه المواضع . وقال بعضهم محتجا لأصولهم في الحكم بالاحتياط : إن الحرام يدخل بأرق سبب كتحريم الله تعالى نكاح ما نكح الآباء ، فحرم ذلك بالعقد ، وإن لم يكن وطئ قالوا : وأما التحليل فلا يدخل إلا بأقوى الأسباب ، كتحليل المطلقة لزوجها ثلاثا تحل له بعقد زوج آخر حتى يطأ . قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، وإنما اتبعنا في كلا الموضعين النصين الواردين فيهما ، وقولهم إن التحريم يدخل بأرق سبب والتحليل لا يدخل إلا بأغلظ سبب ، قول فاسد لا دليل عليه ، لأنه لم يأت به نص ولا اتفق على صحته ، ونحن نوجدهم تحريما لا يدخل بأغلظ سبب ، وهو أن الله تعالى حرم الربيبة التي دخل المرء بأمها ، وكانت في حجره فالربيبة لا تحرم إلا بما نص الله على تحريمها به ، ووجدناها باتفاق منا ومنهم لا تحرم بالعقد على أمها فقط . ووجدنا التحليل في الايمان المغلظة المعظمة باسم الله تعالى يدخل بإطعام عشرة مساكين ، أو بالاستثناء الذي هو كلمات يسيرة لا مؤونة فيها ، فإن قالوا : إنما وجب هذان الحكمان بالنص ، قلنا لهم : وكذلك تحريم ما نكح الآباء وتحليل المطلقة ثلاثة بوطئ زوج آخر ، إنما وجبا بالنص لا بما ادعيتم من رقة سبب وغلظة . ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم على نفسه ما أحل الله تعالى له ، فلم يحرم عليه بذلك . ولا أغلظ من تحريم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يدخل التحريم بذلك ، إذ لم يكن نزل بذلك عليه نص ، وتحلل من تلك اليمين بكفارة ، فدخل التحليل بأرق سبب وأهونه ، فبطل ما ادعوا من ذلك . وأيضا فإن حجتهم بأن المطلقة لا تحل لزوجها الأول إلا بأغلظ سبب ثم أباحوها . بالوطء دون الانزال ، فقد نقضوا أصولهم في ذلك ، وأدخلوا التحليل بسبب رقيق ، لان الحسن البصري وهو أحد الأئمة يقول : لا تحل للأول إلا بأن يطأها الثاني ، وينزل وإلا فلا ، وجعل الانزال تمام ذوق العسيلة ، وهم لا يقولون بذلك .