ابن حزم
754
الاحكام
وأيضا فإنهم يبيحون للمرء نكاح من زنى بها أبوه ، ولا يحرمون عليه امرأته إن زنى بحريمتها ، فهنا لا يدخلون التحريم بأرق سبب ، بل بأغلظ سبب ، وهو المتفق عليه في وطئ الحلال ، ويبيحون قتل المقر بالزنى مرة واحدة ، فيدخلون التحليل على الدم الحرام الذي هو أغلظ الحرمات بأرق سبب ، وغيرهم لا يبيح دمه إلا بإقرار أربع مرات يثبت عليها ولا يرجع عنها أصلا ، وكل هذا تناقض منهم وهدم لما أصلوه من أن التحريم يدخل بأرق الأسباب ، ولا يدخل التحليل إلا بأغلظ الأسباب . ومما يبطل قولهم غاية الابطال قول الله تعالى : * ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ) * وقوله تعالى : * ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) * . فصح بهاتين الآيتين أن كل من حلل أو حرم ما لم يأت بإذن من الله تعالى في تحريمه أو تحليله فقد افترى على الله كذبا ، ونحن على يقين من أن الله تعالى قد أحل لنا كل ما خلق في الأرض ، إلا ما فصل لنا تحريمه بالنص لقوله تعالى : * ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) * ولقوله تعالى ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) فبطل بهذين النصين الجليين أن يحرم أحد شيئا باحتياط أو خوف تذرع . وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من توهم أنه أحدث ألا يلتفت إلى ذلك ، وأن يتمادى في صلاته ، وعلى حكم طهارته ، هذا في الصلاة التي هي أوكد الشرائع ، حتى يسمع صوتا أو يشم رائحة ، فلو كان الحكم الاحتياط حقا لكانت الصلاة أولى ما احتيط لها ، ولكن الله تعالى لم يجعل لغير اليقين حكما فوجب بما ذكرنا أن كل ما تيقن تحريمه فلا ينتقل إلى التحليل إلا بيقين آخر من نص أو إجماع ، وكل ما تيقن تحليله فلا سبيل أن ينتقل إلى التحريم إلا بيقين آخر من نص أو إجماع ، وبطل الحكم باحتياط . وصح أن لا حكم إلا لليقين وحده ، والاحتياط كله هو ألا يحرم المرء شيئا إلا ما حرم الله تعالى ، ولا يحل شيئا إلا ما أحل الله تعالى ، وبطل بهذا أن تطلق امرأة على زوجها إذ شك أطلقها أم لا ، لأنها زوجة بيقين فلا تحرم عليه إلا بيقين آخر من نص أو إجماع ، وبالله تعالى التوفيق .