ابن حزم

817

الاحكام

الصحابة في مئين من القضايا ، وفي عشرات منها ، فقد بطل ما نصروا ، وتركوا ما حققوا ، وقد ذكرنا في باب الاجماع إبطال قول من قال باتباع الصاحب الذي لا مخالف له يعرف من الصحابة . وبينا هنالك أنهم الناس لذلك ، وأنهم قد خالفوا أحكاما كثيرة لعمر ، بحضرة المهاجرين والأنصار ، لم يرو عن واحد منهم إنكار لفعله ذلك كإضعافه الغرم على حاطب في ناقة المزني وغير ذلك ، وهذا حكم مشتهر منتشر لم يعارضه فيه أحد من الصحابة ، ولا روي عن أحد منهم إنكارا لذلك ، فقد تركوه هم يشهدون أن حكم الصاحب الذي لا يعرف له مخالف من الصحابة هو الحق ، فقد أقروا على أنفسهم أنهم تركوا الحق ، وأنهم أصروا على ما فعلوا وهم يعلمون . ويقال لهم أيضا : كيف كان حال حكم الصحابي الواحد الذي لا يعرف له مخالف قبل أن يشتهر وينتشر ؟ أكان لازما أن يؤخذ به ؟ أو كان غير لازم ؟ فإن قال : كان غير لازم ، أوجب أن ذلك الحكم في الدين وجب بعد أن كان غير واجب ، وهذا كفر وتكذيب لله عز وجل في قوله : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * . وإن قال : كان لازما ، فقد أوجب لزومه قبل الانتشار ، وسقط شرطهم الفاسد في الانتشار ، وهذا القول الفاسد يوجب أن دين الله مترقب فإن انتشر لزم ، وإن لم ينتشر لم يلزم ، وهذا كفر بارد ، وشرك وسخف . وبالله تعالى التوفيق . وهم يخالفون عمر وزيد بن ثابت في قضاء عمر في الضلع بحمل ، وفي الترقوة بحمل ، وفي قضاء زيد في العين القائمة بمائة دينار ، ولا يعرف له من الصحابة مخالف ، حتى تحكم بعضهم فلم يستحي من الكذب فقال : إنما كان ذلك منهما على وجه الحكومة . قال أبو محمد : وهذه دعوى فاسدة لا دليل لهم على صحتها أصلا . ولا يعجز عن مثلها أحد ، ويقال لهم مثل ذلك في تقويم الدية بألف دينار وبعشرة آلاف درهم ، أو باثني عشر ألف درهم ولا فرق . وخالفوا ابن عمر وأبا برزة في قولهما : إن كل متبايعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا بأبدانهما عن مكان البيع ، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة .